عربي

لماذا يحتاج قادة اليوم إلى "عقلية المبتدئ" أكثر من أي وقت مضى؟

في ظل التغييرات التي يشهدها عالم الأعمال، لم تعُد الخبرة وحدها كافيةً لضمان النجاح القيادي. بل على النقيض، قد تصبح الخبرة التي جمعها القائد طوال عشرين عاماً سلاحاً ذو حدين؛ فإما أن تحميه وتوجهه، أو تهدد مكانته القيادية في ظل تحديات لم يعهدها من قبل.

هذا هو جوهر المعضلة التي تواجه قادة اليوم، والتي تتطلب منهم إعادة صقل المهارات القيادية للمستقبل وتبنِّي نهج مختلف تماماً يتمثل في "عقلية المبتدئ"، ففي ظل التحولات الجذرية في الأسواق والتكنولوجيا وتوقعات الموظفين، أصبح التعلم المستمر ضرورةً قصوى للبقاء في الطليعة.

هل "الخبرة" أصل أم عبء؟

انقسمت الآراء حول مدى أهمية الخبرة بالنسبة لقادة اليوم، فالبعض يراها أصلاً لا غنى عنه في القيادة، بينما يعدُّه آخرون عبئاً يجب تجاوزه. في ما يلي، شرح مفصّل حول كل موقف منهما:

الموقف التقليدي

لطالما كان المفهوم السائد للقائد هو أنَّه "الخبير المطلق" الذي يمتلك جميع الإجابات، فيُنظر إليه على أنَّه الشخص الذي مر بظروف وواجه تحديات جعلته يمتلك حلول مستقاة من مخزون خبراته وتجاربه السابقة. من هذا المنطلق، تُعد الخبرة أثمن الأصول، وهي أساس السلطة والقدرة على اتخاذ القرار.

القائد المخضرم هو من يطمئن إليه الفريق في أوقات الأزمات؛ لأنَّه "عايَشَ كل شيء" من قبل ويعرف كيفية التعامل معه، ففي نهاية المطاف، ما يميز القادة الناجحين بحق هو تراكم الخبرات الذي منحهم القدرة على فهم المواقف المختلفة، وتعديل أساليبهم وفق الحاجة، واتخاذ قرارات حكيمة ومتزنة. ومن خلال التجربة، يتعلم القادة من أخطائهم، ويتطور ذكاؤهم العاطفي، وهي عناصر جوهرية للقيادة الفعالة.

الواقع الجديد

يُثبت هذا النموذج التقليدي عدم كفايته تحت وطأة بيئة الأعمال المعاصرة التي تتّسم بالتقلّب والغموض والتعقيد. في مثل هذه البيئة، لم تعُد المشكلات تتَّبع أنماطاً يمكن التنبؤ بها، بل غالباً ما تكون فريدةً ومعقدةً وتتطلب حلولاً مبتكرة.

لذا فإنَّ الاعتماد المفرط على الحلول القديمة للمشكلات الجديدة قد يكون له نتائج كارثية، لأنَّ الخبرة المكتسبة في سياق معين قد لا تصلح في سياق آخر، وقد تصبح عائقاً حتى.

يؤدي هذا الاعتماد إلى "تحيزات معرفية" (Cognitive Biases) يوظف القادة من خلالها المعلومات الجديدة بما يتوافق مع معتقداتهم وخبراتهم السابقة فقط، متجاهلين الإشارات التي تدل على ضرورة التغيير أو التفكير بطرائق مختلفة. على سبيل المثال: قد يرى قائد متمرس في مجال عمل تقليدي أنَّ "التحول الرقمي" هو مجرد توجه عابر؛ لأنَّه لم يشهد تأثيرها المباشر في الماضي، مما يعرض مؤسسته للخطر.

التوازن الفعال

الخبرة في حد ذاتها ليست المشكلة، بل "الجمود" الذي يعرقل النمو؛ إذ يكمن الحل في تحويل الخبرة من "قوالب جامدة مرنة" تمنع الابتكار والتطور إلى "حكمة مرنة" قابلة للتكيف.

الحل إذاً ليس في التخلي عن الخبرة، بل في تحويلها إلى أداة لتعزيز الفضول والتساؤل بدلاً من ترسيخ الافتراضات المسبقة؛ إذ يجب أن يتعلم القائد كيفية جعل خبرته إطار عمل يساعده في طرح الأسئلة الصحيحة، وليس رؤيتها كتيباً لتقديم إجابات نهائية عن المشكلات، فهذا التوازن الدقيق هو ما يميز القائد الفعال في عام 2026 وما بعده.

تبني عقلية النمو (Growth Mindset) بوصفها استراتيجية قيادية

لمواجهة التحديات المتزايدة، يجب أن يتبنى القادة استراتيجية قيادية جديدة ترتكز على "عقلية النمو" بدلاً من "العقلية الثابتة"؛ إذ تمثل هذه العقلية التي قدمتها الدكتورة "كارول دويك" (Carol Dweck)، تحولاً جوهرياً في طريقة رؤية القائد لقدراته وإمكاناته. في ما يلي، الفرق بين العقلية الثابتة وعقلية النمو:

  • يتجنب القادة أصحاب العقلية الثابتة التحديات؛ لأنَّها تهدد صورتهم بوصفهم أذكياء أو موهوبين، فحين يصبح العمل صعباً، سرعان ما يفتر حماسهم ويستسلمون بسهولة، وكأنَّ الجهد دليل نقص لا فرصة للتعلم، أما أصحاب عقلية النمو، فيبحثون عن التحديات ويرونها مساحات للتطور والتعلم.
  • يرى القادة أصحاب العقلية الثابتة كل خطأ تهديداً لمكانتهم، فيصبحون حذرين ودفاعيين، ويتجنبون القرارات الصعبة خوفاً من الفشل. همّهم الأساسي هو النجاح الدائم، لا التعلم أو التقدم، أما القادة أصحاب عقلية النمو، فيفهمون أنَّ الإخفاق جزء من العملية القيادية، ويستفيدون منها لتحسين قراراتهم وبناء فرق أقوى.
  • تربط العقلية الثابتة في القيادة القيمة بالنتيجة فقط، فتخاف من الجهد والفشل، وتبحث عن النجاح السهل لحماية صورة القائد، أما عقلية النمو فترى الجهد جزءاً لا يتجزأ من القيادة نفسها، فتتعلم من التحديات، وتجازف بوعي، وتبني القدرة مع كل تجربة، نجحت أم لم تنجح.

مقارنة بين عقلية النمو والعقلية الثابتة

كيف تساعد عقلية النمو القائد على تقبل "الفشل" كجزء من التجربة؟

لا يخشى القائد الذي يتبنى عقلية النمو الفشل، بل يراه محطة ضرورية في رحلة التعلم، فهو يدرك أنَّ الابتكار يتطلب التجريب، والذي قد يؤدي إلى بعض الإخفاقات.

بدلاً من إخفاء الأخطاء أو البحث عن كبش فداء، يحلل القائد صاحب عقلية النمو الفشل لفهم الأسباب الجذرية، وتعديل المسار، وتشجيع فريقه على التعلم من الأخطاء، مما يسهم في إرساء بيئة عمل يشعر فيها الموظفون بالأمان عند التجريب والمخاطرة المحسوبة

تطبيق عملي: كيف تقول "لا أعرف" أمام فريقك دون أن تفقد هيبتك

من أكبر التحديات التي تواجه القادة هي الخوف من إظهار الضعف، لكنَّ القائد الذي يمتلك عقلية النمو يفهم أنَّ عدم المعرفة ليس علامة ضعف، بل علامة قوة وثقة بالنفس، وخصوصاً كمهارة قيادة في عام 2026. في ما يلي، خطوات عملية للاعتراف بعدم المعرفة أمام الفريق:

  • إعادة تعريف الكفاءة: القائد الكفء هو ليس من يعرف كل شيء، بل من يعرف ما الذي يستحق المعرفة، ومتى يطلب المساعدة.
  • أن يكون القائد قدوةً: حين تعترف بما لا تعرفه، فأنت تفتح الباب للآخرين ليكونوا صادقين دون خوف.
  • إقران الاعتراف بالفعل: لا تتوقف عند "لا أعرف"، بل أتبعها بـ "دعونا نكتشف ذلك" أو "من يمكنه مساعدتنا في الحل؟"
  • مكافأة السؤال: امتدح الأسئلة الجريئة والصادقة، حتى عندما تكشف أنَّك لا تعرف الإجابة، فالسؤال الذي يأتي في محله علامة نضج، لا ضعف.

"عقلية النمو في القيادة: هي الإيمان بأن القدرات القيادية والذكاء يمكن تطويرهما بالجهد والتعلم. فالقائد الذي يتبّنى هذه العقلية لا يخشى التحديات، ويرى في ملاحظات الفريق فرصة للتحسن، وليس تهديداً لمكانته".

الترسانة الجديدة: التفكير النقدي وحل المشكلات المعقدة

لم تعُد المهارات القيادية التقليدية كافيةً في ظل التغييرات التي يشهدها عالم العمل؛ إذ يحتاج قادة اليوم إلى تسليح أنفسهم بترسانة جديدة من المهارات التي تمكنهم من التعامل في هذا المشهد المعقد، ويأتي على رأس هذه المهارات التفكير النقدي وحل المشكلات المعقدة. وإليكم التوضيح:

التفكير النقدي

 هو القدرة على غربلة المعلومات الهائلة وتحدي الافتراضات (حتى افتراضاتك الشخصية)، فهو ليس مجرد تحليل البيانات، بل التشكيك في الافتراضات، وتقييم الأدلة بموضوعية، وتحديد التحيزات المعرفية الكامنة.

لا يقبل القائد الذي يتمتع بمهارات التفكير النقدي الأمور على ظاهرها، بل يسعى إلى فهم الأسباب الجذرية، ويطرح أسئلة عميقة مثل: "لماذا نعتقد هذا؟" و"ما هي الافتراضات التي بنينا عليها هذا القرار؟" و"ما هي البدائل المحتملة التي لم نفكر فيها؟".

تُعد هذه المهارة هامةً لإعادة صقل المهارات القيادية لمواجهة تحديات المستقبل؛ إذ تتطلب القرارات السرعة والدقة والفهم العميق.

حل المشكلات المعقدة

 الانتقال من الحلول الخطية إلى التفكير المنظومي (System Thinking). ونادراً ما تكون المشكلات المعاصرة خطيةً أو ذات سبب ونتيجة بسيطة.

على سبيل المثال: قد لا ينتج انخفاض المبيعات عن ضعف أداء فريق المبيعات فقط، بل قد يكون مرتبطاً بتغير في سلوك العملاء، أو تكنولوجيا جديدة للمنافسين، أو حتى عوامل اقتصادية عالمية. هنا يبرز دور حل المشكلات المعقدة، الذي يتجاوز التفكير الخطي (إذا حدث A فسيحدث B) ويتطلب "التفكير المنظومي".

التفكير المنظومي

 هو القدرة على رؤية الأجزاء المترابطة للنظام كُلاً واحداً، وفهم كيفية تأثير تغيير جزء واحد في الأجزاء الأخرى وفي النظام بأكمله. وعليه، يستطيع القائد الذي يمتلك هذه المهارة:

  • تحديد الأنماط الخفية: رؤية الروابط التي لا يراها الآخرون.
  • توقع العواقب غير المقصودة: فهم كيف أنَّ الحل في سياق قد يخلق مشكلة جديدة في سياق آخر.
  • صياغة حلول شاملة ومستدامة: بدلاً من معالجة الأعراض، يركز القائد على معالجة الأسباب الجذرية داخل النظام.

كيف يعزز التعلم المستمر هاتين المهارتين؟

التعلم المستمر هو الوقود الذي يغذي التفكير النقدي وحل المشكلات المعقدة. من خلال التعرض المستمر لأفكار جديدة، ونماذج تفكير مختلفة، وأدوات تحليل مبتكرة، يستطيع القائد توسيع آفاقه المعرفية، وصقل قدرته على التحدي والتحليل.

سواء من خلال قراءة الكتب أم حضور ورش العمل أم المشاركة في نقاشات فكرية، يضيف كل شكل من أشكال التعلم المستمر طبقة جديدة من الفهم تعزز قدرة القائد على التعامل مع التعقيدات.

دورة حياة المهارة

ميزان القوى: كيف توازن بين الخبرة والتعلم الجديد؟

الهدف ليس التخلي عن الخبرة، بل استخدامها بذكاء إلى جانب التعلم المستمر، فـ القائد الفعال هو من يتقن هذا التوازن الدقيق، محولاً الخبرة من عائق إلى موجِّه.

استخدم الخبرة لـ:

  • طرح الأسئلة الصحيحة: لا تمنحك الخبرة بالضرورة جميع الإجابات، لكنَّها تعزز القدرة على طرح الأسئلة العامة التي قد يغفل عنها الآخرون، فالقائد الخبير يمكنه أن يستشرف المخاطر المحتملة بناءً على أنماط الماضي، ويستكشف الجوانب الخفية للمشكلات.
  • فهم الديناميكيات البشرية: العلاقات الإنسانية والتفاعلات التنظيمية لها جوانب لا تتغير كثيراً عبر الزمن. تساعد الخبرة القائد في فهم الدوافع البشرية وكيفية بناء الفرق وإدارة الصراعات والتفاوض بفعالية، وهي مهارات لا تتأثر بالتغيرات التكنولوجية.
  • إدارة المخاطر: القائد ذو الخبرة لديه سجل حافل من القرارات، الجيدة والسيئة على حد سواء. يمكنه استخدام هذا السجل لتحديد المخاطر المحتملة بصورة أفضل، وتطوير استراتيجيات للتخفيف منها، وتوجيه الفريق خلال الأزمات بناءً على دروس مستفادة.

استخدم التعلم الجديد لـ:

  • فهم الأدوات الرقمية: يحتاج القادة إلى فهم أساسيات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والتقنيات السحابية، ليس بالضرورة ليصبحوا خبراء تقنيين، ولكن لفهم كيفية تأثيرها في أعمالهم ونماذج الأعمال الجديدة وتوقعات العملاء والموظفين.
  • استكشاف نماذج أعمال مبتكرة: تتلاشى النماذج التقليدية، فالتعلم المستمر يمكِّن القائد من استكشاف نماذج أعمال جديدة، وإنشاء قيمة بطرائق لم تكن ممكنة من قبل. يتطلب هذا انفتاحاً على الأفكار غير التقليدية والشجاعة على التجريب.
  • التواصل مع الأجيال الجديدة: الأجيال الشابة لديها توقعات مختلفة تجاه العمل والقيادة والهدف من المنظمات. يمكِّن التعلم الجديد القائد من فهم هذه التوقعات، وتعديل أسلوبه القيادي لإثارة اهتمام هذه الأجيال، وتشجيعهم على المساهمة بأفكارهم.

مبدأ "التعلم العكسي" (Reverse Mentoring)

من أهم الطرائق لموازنة الخبرة والتعلم هي تبني مبدأ "التعلم العكسي". بدلاً من أن يتولى القائد وحده مهمة توجيه وتدريب الموظفين الشباب أو الأقل خبرة، يعلِّم الموظفون القدامى والقادة ذوي الخبرة غيرهم في المجالات التي يبرعون فيها مثل: التكنولوجيا والتحول الرقمي أو وسائل التواصل الاجتماعي أو التوجهات الثقافية الناشئة.

يمنح هذا القادة منظوراً جديداً من جهة، ويعزز ثقافة التعلم المتبادل، ويكسر الحواجز الهرمية، ويمكِّن الموظفين من جميع المستويات من جهة أخرى.

مبدأ التعلم العكسي

الأسئلة الشائعة

1. ليس لدي وقت للتعلم، كيف أمارس "التعلم المستمر"؟

لا يعني التعلم المستمر بالضرورة دورات تدريبية طويلة. اعتمد "التعلم المصغر" (Micro-learning) مثل: قراءة مقال واحد يومياً، أو الاستماع لبودكاست أثناء القيادة، أو تخصيص 15 دقيقةً أسبوعياً للتفكير في "درس جديد تعلمته".

2. كيف أقنع فريقي بالتغيير إذا كنت أنا مازلت أتعلم؟

الشفافية هي المفتاح. تبني مشاركتك لرحلة تعلمك (بما في ذلك تعثراتك) الثقة وتجعل منك نموذجاً يُحتذى به (Role Model) في "عقلية النمو"، مما يشجع الفريق على الحذو حذوك.

3. ما الفرق بين حل المشكلات "العادية" و"المعقدة"؟

المشكلات العادية لها حلول معروفة يمكن الوصول إليها بالخبرة، أما المشكلات المعقدة (Complex Problems) غامضة ومتداخلة، وليس لها حل واحد صحيح، وتتطلب تجريباً وتكيفاً مستمراً، وهنا تبرز الحاجة للتعلم الجديد.

في الختام

تْعد رحلة القيادة في القرن الحادي والعشرين رحلةً مستمرةً من التعلم، وإعادة التعلم، والتخلي عن بعض ما تعلمناه. لذا، فإنّ "عقلية المبتدئ" ليست دعوةً للتخلي عن الخبرة، بل دعوة إلى تجديدها، وإثرائها بالفضول، والانفتاح على التغييرات.

سيتمكّن القادة الذين يتبنون هذه العقلية من قيادة مؤسساتهم نحو الازدهار في عالم دائم التغير. والآن، تحلَّ بالشجاعة للاعتراف بأنَّك لا تملك كل الإجابات، والتواضع للتعلم من أي مصدر، والمرونة للتكيف مع كل تحدٍّ جديد.

هذا المقال من إعداد المدرب أحمد الخطيب كوتش معتمد من ولفا أكاديمي.

The last articles

Be up to date with the latest news

Subscribe now to get the latest articles, research, and products that make you stronger than ever