يشعر القادة عادةً بالوحدة لأنَّهم يتحملون أعباء المسؤوليات بمفردهم، ولا يقتصر هذا على القادة في المجال المهني بل يشمل أي شخص مسؤول سواءٌ في سياق مهني، أو عائلي، أو حتى تطوعي.
وضع الرئيس الأمريكي السابق "هاري إس. ترومان" (Harry S. Truman) عبارته الشهيرة: "المسؤولية تنتهي هنا" على مكتبه ليؤكد على أنَّه لم يكن "يمرر المسؤولية" إلى أي شخص آخر، بل كان يتحمل مسؤولية إدارة البلاد.
يمكن أن تؤدي هذه المسؤولية إلى إحدى النتائج التالية:
- التعرُّض للإرهاق النفسي (القائد المرهق): نتيجة ضغوطات العمل أو سوء إدارة الأولويات.
- اتخاذ قرارات مدفوعة بالخوف (القائد المفرط الحماية): لتجنب المخاطر المحتملة التي تسيطر على تفكيرهم.
- إنشاء نظام دعم (القائد الاستباقي): لتلبية احتياجاتهم العملية والنفسية.
وسوف نستعرض في ما يلي شرحاً تفصيلياً لكل حالة من هذه الحالات الثلاث:
ما هي أعباء القيادة؟
1. القائد المرهق
إنَّ الإرهاق النفسي مؤذٍ للأطراف كافةً، وقد يتمكن القائد في البداية من الحفاظ على إنتاجيته وقدراته الإبداعية، ولكن بعد فترة قصيرة ستبدأ المشاكل بالظهور. يسعى القائد إلى إنجاز المهام بكفاءة عالية، وتدل سلوكياته على تفانيه في العمل، ولكنَّ محاولة القيام بكل شيء ستؤدي حتماً إلى نسيان بعض المهمّات أو انخفاض جودة النتائج.
2. القائد المفرط الحماية
يعجز القائد عن حسم قراره ويميل للخيارات الآمنة عندما يكون مدفوعاً بالخوف من التجارب السابقة، أو الفشل، أو المخاطر غير المحسوبة، وهذا شائعٌ جداً بين القادة. لكن من خلال نواياهم الحسنة، مثل الرغبة في عدم الإساءة للآخرين أو تلبية احتياجاتهم بدافع الإيثار، أو الخوف من إثارة التوتر، قد يجد القادة أنفسهم يتجنبون تقديم ملاحظات بنّاءة لموظفيهم. أحياناً، يعتمدون على رأي الشخص الأكثر ثقةً في الفريق، معتقدين أنَّ الثقة العالية تضمن جودة الفكرة المُقترَحة.
3. القائد الاستباقي
يمتلك هؤلاء القادة ما يكفي من الوعي لإدراك أنَّهم بحاجة لوضع آلية تدعم قيادتهم، ولذلك نرى دائماً القادة العظماء محاطين بفريق دعم، فذلك عبء ثقيل ليحمله شخص بمفرده.
يمكن تطبيق هذه الآلية عن طريق وضع أنظمة وعمليات ذكية لتقليل المهام غير الضرورية أو غير المنتجة من خلال تشكيل فريق خاص مسؤول عن دعم القائد وتلبية احتياجات المؤسسة.
كما يمكن بناء شبكة دعم خارج المؤسسة عن طريق استثمار الوقت والجهد في تنمية العلاقات الشخصية والاستفادة من وجود الشريك والأصدقاء في مواجهة صعوبات الحياة، ومشاركة الهموم، والحصول على الدعم والنصيحة والتغذية الراجعة الصريحة. يستعين البعض بالمختصين لمساعدتهم في تطوير مهاراتهم، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، وذكائهم العاطفي.
يقول الكاتب والمحاضر الشهير "هارفي أولمان" (Harvey Ullman): "أي شخص يتوقف عن التعلم هو عجوز، سواءٌ كان في العشرين أو الثمانين من عمره. أي شخص يستمر في التعلم لا يبقى شاباً فحسب، بل ترتفع قيمته باستمرار بغض النظر عن قدراته الجسدية".
يهتم هؤلاء القادة بالتطور والنمو، والمراجعة المنتظمة لأساليب العمل لمعرفة ما إذا كانت بحاجة إلى تعديل وما إذا كانت العلاقات العملية (أو الشخصية) تتطلب تعديل أيّ سلوكيات.
كما يحرصون على وجود مجموعة صغيرة من الأشخاص الموثوقين تماماً، ربما ليعبروا عن مشاعرهم أو يطلبوا نصيحة.
يواجه القادة تحديات وصعوبات جديدة باستمرار، وعندها يُنصَح بالتواصل مع أشخاص تعرضوا لمشكلات مشابهة للاستفادة من تجربتهم، مع الحرص على عدم طلب حلول جاهزة أو تطبيق إستراتيجيات مجربة سابقاً، وأحياناً يحتاج القائد فقط إلى شخص يسمعه من دون أي عواقب محتملة أو أحكام.
يحتاج الجميع إلى التحدث بحرية وطلاقة مع شخص موثوق عن أعمق أفكارهم ومخاوفهم؛ إذ يجد كثير من الناس أنَّ مساحة التعبير هذه، تسمح لهم بإدراك ما يفكرون فيه فعلاً، والذي قد يكون مختلفاً تماماً عما قالوه في البداية.
يدفع هذا الحديث وما يليه من أسئلة، للتفكر والتأمل، ويمكِّنهم من اكتشاف حلولهم الخاصة، والاستعداد لاتخاذ الإجراءات اللازمة.
إذا كنت ترغب في أن تكون قائداً استباقياً ومسؤولاً، تأكد من أنَّك وضعت الأشخاص المناسبين وآليات إدارة المهام لدعمك في هذا الدور. حتى لا تشعر أنَّك تحمل العبء بالكامل بمفردك. ينطبق هذا في السياق المهني، والعائلي، والتطوعي.
في الختام
يجب أن يدرك القادة أهمية بناء نظام دعم فعّال يساعدهم في تحمل أعباء المسؤولية، سواء في العمل أو الحياة الشخصية. من دون هذا الدعم، قد يعانون من الإرهاق النفسي، أو اتخاذ قرارات مدفوعة بالخوف. يعي القادة الاستباقيون أهمية التطوير المستمر، ويحرصون على توفير فريق دعم موثوق يساهم في تحقيق أهدافهم بكفاءة وفعالية.