English

5 خطوات لترسيخ موضوع الأثر الاجتماعي ضمن ثقافة المؤسسة

تدرك المؤسسات في الوقت الحالي مسؤوليتها تجاه المساهمين وأصحاب المصلحة بما فيهم المجتمع، مما زاد من أهمية تقييم النتائج التي تحققها على صعيد المجتمع.

تختلف معاني مصطلح الأثر الاجتماعي من فرد إلى آخر، ولكن يمكن تعريفه باختصار على أنّه الأثر الإيجابي أو السلبي الذي ينتج عن أعمال المؤسسة على مستوى الأفراد والمجتمع، وهو يشمل مجموعة كبيرة من العوامل مثل، التكافؤ الاجتماعي، وتطور المجتمع، والممارسات العمالية الأخلاقية، وحقوق الإنسان، والصحة، والتعليم، والمناخ. يتضمن هذا المفهوم الأثر الناتج عن تنفيذ الأنشطة التجارية الأساسية، والإجراءات الإضافية التي تركز على الجانب الإنساني.

يزداد مستوى تداخل وتعقيد العلاقة بين المشروع التجاري والمجتمع مع استمرار الشركات في العمل على مواجهة الصعوبات الاقتصادية، والبيئية، والاجتماعية. كشفت تقارير أنَّ معدل نمو الاقتصاد العالمي شهد انخفاض ملحوظ في العام حيث بلغت نسبته 3.2% فقط في العام 2024، ويُتوقَّع أن يستمر الوضع على هذا المنوال في العام 2025.

يمكن أن يؤدي استمرار النمو البطيء على الأمد الطويل إلى تفاقم أزمة انعدام المساواة بين أفراد المجتمع وزعزعة الاستقرار على مستوى العالم. يُبدي أصحاب المصلحة في الوقت الحالي اهتماماً متزايداً بتأثير المؤسسة في المجتمع؛ إذ يُفضّل المستهلكون والموظفون المؤسسات التي تُبدي مؤشرات احترام المواطنة. كما يبحث أفراد جيل الألفية والجيل "زِد" (Gen Z) عن بيئات عمل تتوافق مع قِيَمهم.

تركز عديدٌ من الحكومات، والسلطات، والهيئات التنظيمية على مسألة الامتثال للقوانين واللوائح المتعلقة بالمعايير البيئية، والاجتماعية، وحوكمة الشركات.

بالنتيجة، تركز الشركات على إحداث أثر اجتماعي إيجابي لأنّها تعي ارتباط نجاحها بازدهار المجتمعات وأصحاب المصلحة المعنية بخدماتها. تؤكد الدراسات العلمية الحديثة تزايد اهتمام المنظمات بالأهداف الاجتماعية، وعدم اقتصار جهودها على تحقيق الأرباح فقط، وقد تبين أنَّ هذه العقلية تسهم في تحسين الأداء والنتائج. تتوضح العلاقة بين المسؤولية الاجتماعية والأداء عند دراسة تجارب الشركات.

بالتالي، يمكن أن يؤدي إعطاء الأولوية للأثر الاجتماعي إلى تحقيق فوائد إضافية عديدة، مثل تحسين سمعة الشركة، وزيادة ولاء العملاء، واستقطاب المواهب والحفاظ عليها، والحصول على فرص جديدة في السوق.

دور مجلس الإدارة

لا يقتصر دور الأثر الاجتماعي على المرونة التنظيمية والتجارية فقط؛ بل إنّه يشمل أيضاً سمعة المؤسسة، وعنصر الثقة، والمصالح الإستراتيجية التي تشكل جزء أساسي من دور مجلس الإدارة في ضمان النجاح على الأمد الطويل.

تشمل وظائف مجلس الإدارة ضمان حسن سير عمليات الإشراف، وإجراء النقاشات اللازمة مع العاملين في الإدارة التنفيذية، ووضع إستراتيجيات وأهداف واضحة تأخذ بعين الاعتبار التأثير الاجتماعي المطلوب. يتولى أعضاء مجلس الإدارة مسؤولية تهيئة الظروف والإجراءات اللازمة لمراعاة الأثر الاجتماعي ضمن المؤسسة، كما يؤدي التزامهم الشخصي الذي يتضح من خلال سلوكاتهم، وأفعالهم، وقراراتهم إلى ترسيخ ثقافة إعطاء الأولوية للأثر الاجتماعي.

يؤدي رئيس مجلس الإدارة دوراً محورياً في هذه العملية من خلال توجيه تركيز الأعضاء، ووضع الخطط وجداول الأعمال من جهة، وكونه يمثل صوت الضمير في المؤسسة من جهة أخرى. يؤدي رئيس مجلس الإدارة دوراً قيادياً محورياً في تحقيق أهداف والتزامات التأثير الاجتماعي على أرض الواقع.

5 خطوات لترسيخ موضوع الأثر الاجتماعي ضمن ثقافة المؤسسة

1. أخذ وجهات نظر أصحاب المصلحة بعين الاعتبار

تقتضي المسؤولية الرئيسة لمجلس الإدارة ضمان تفهُّم، واعتبار، وتناول القيادة التنفيذية لوجهات نظر واحتياجات أصحاب المصلحة المتنوعة والمتعارضة في بعض الأحيان. تؤدي منهجية عمل مجلس الإدارة دوراً محورياً في توجيه القيادة التنفيذية، وهذا يتطلب التعاون مع أصحاب المصلحة الرئيسين على التحقق من مراعاة أهداف الأثر الاجتماعي لوجهات نظرهم، وأنَّ عمليات المؤسسة تحقق نتائج إيجابية على صعيد المجتمعات والبيئة.

يقول "فيك سيبيسما" (Feike Sijbesma) الرئيس التنفيذي الأسبق لشركة "دي إس إم" (DSM): "يجب أن يسمح مجلس الإدارة لأصحاب المصلحة بالمشاركة في عمليات اتخاذ القرار، بغية تكوين فكرة واضحة عن المخاطر والفرص المتعلقة بالأثر الاجتماعي، ودور الخيارات المطروحة في تحسين مستقبل الشركة وتحقيق نتائج مفيدة على صعيد المجتمع".

يتولّى رئيس مجلس الإدارة مسؤولية وضع آلية العمل اللازمة لتحديد خارطة أصحاب المصلحة وتحليل بيانات التغذية الراجعة من الشريحة المناسبة، والتي يمكن أن تتضمن أصحاب المصلحة، والموظفين، والعملاء، والمورّدين، وهيئات التنظيم، وخبراء المادة المعنيين، والفئات المجتمعية.

بالتالي، يجب ضم وجهات النظر آنفة الذكر إلى الاعتبارات الإستراتيجية التنفيذية، وعمليات اتخاذ القرار ضمن المجالس من أجل ضمان استمرارية النجاح وتعزيز مرونة العمل ضمن المؤسسة.

دور مجلس الإدارة

2. إضافة الأثر الاجتماعي إلى إستراتيجية عمل المؤسسة

يجب أن يكون الأثر الاجتماعي جزء أساسي من إستراتيجية عمل الشركة وليس مجرد مبادرة مستقلة بحد ذاتها وذلك بهدف ضمان فعاليته في تحقيق النتائج المرجوة، وهذا يتطلب التوقف عن اعتباره نشاط ثانوي، وإدراك أهميته في نجاح الشركة.

يقول "مايك كانينغ" (Mike Canning) قائد قسم الابتكار والسياسات العامة: "عندما تضيف المؤسسة الأثر الاجتماعي إلى إستراتيجيتها الشاملة، فإنّها تحول الأهداف النظرية إلى إجراءات عملية وتحقق نتائج قيِّمة على صعيد الشركة والمجتمع بأكمله. يفيد هذا التوافق في تحسين سمعة الشركة، والتميز عن المنافسين، وضمان النجاح على الأمد الطويل عند تطبيقه بفعالية".

لكل مؤسسة تأثير اجتماعي محدد يعتمد على القطاع الذي تنتمي إليه، والموارد، ونموذج العمل، لهذا السبب يجب أن تربط إستراتيجية الشركة العمليات الأساسية مع أهداف الأثر الاجتماعي، بحيث تسهم الأنشطة والمهامّ اليومية في تحقيق هذه النتائج وإحداث تأثير اجتماعي بنَّاء. يمكن تحسين التأثير الاجتماعي الإيجابي بوضع أهداف إستراتيجية تأخذ بعين الاعتبار المهارات والإمكانات المتوفرة ضمن المؤسسة. يجب أن يشجع المجلس قسم الإدارة على المشاركة في نقاشات ومباحثات إدراج الأثر الاجتماعي ضمن عملية اتخاذ القرارات الإستراتيجية.

يمكن زيادة فعالية العملية عن طريق توجيه العاملين في الإدارة التنفيذية ومساعدتهم في وضع أهداف تأثير اجتماعي تُعنَى بالمسائل الواقعة ضمن نطاق عمل المؤسسة وتتوافق مع قِيَمها ورسالتها في المجتمع.

يجب تكليف المديرين التنفيذيين بمهمّة تحديد الجوانب الواقعة ضمن نفوذ المؤسسة من أجل تعزيز تأثيرها الاجتماعي وإطلاق مبادرات تهدف لتمييز الشركة عن منافسيها، ويُذكَر من أمثلتها ما يلي:

  • تقييم التأثير الاجتماعي للعمل التجاري: فهم تأثير الأنشطة، والإجراءات، وأنظمة العمل الحالية في المجتمعات المحلية، وتحديد مكامن الضعف، ووضع خطط العمل اللازمة لتحسينها.
  • التنوُّع، والمساواة، والشمولية: زيادة تمثيل الفئات المهمّشة في مناصب القيادة واتخاذ القرار.
  • تطوير المجتمع: الاستثمار في المجتمعات المحلية عن طريق مبادرات توفير فرص العمل وتحسين المهارات وتمكين التعليم.
  • التعامل مع موردين ملتزمين بالمعايير الأخلاقية: اتخاذ قرار التعامل مع موردين ملتزمين بالممارسات العمالية العادلة، والمعايير البيئية، وحقوق الإنسان.
  • ابتكار المنتجات: تقديم منتجات أو خدمات تُعنَى بالمسائل الاجتماعية، أو تصل للمجتمعات المحرومة، وليكن بتقديم المنتجات بأسعار مقبولة أو توسيع شبكة الإمداد، واستخدام التكنولوجيا المتطورة.
  • البحث عن الشراكات المتاحة: يُنصَح بالتعاون مع الشركات، والمنظمات غير الربحية، والوكالات الحكومية، والمبتكرين الاجتماعيين من أجل تعزيز التأثير الاجتماعي من خلال دمج الإمكانات والمهارات.

بالتالي، يجب أن تدعو مجالس الإدارة إلى إدراج أنشطة التأثير الاجتماعي ضمن الإستراتيجيات الأساسية في الشركة، وتضمن توافق العمليات الجارية ضمنها مع أهداف التأثير الاجتماعي.

3. إدارة المخاطر التنظيمية المتعلقة بالأثر الاجتماعي

يتولى المجلس مسؤولية إدارة كل من المخاطر التنظيمية والإستراتيجية الخاصة، بالإضافة إلى الإشكاليات التي تنجم عن العوامل الاجتماعية.

تنجم هذه المخاطر عن تغيرات التوقعات الاجتماعية، والتطورات الثقافية، أو العجز عن الالتزام بالمعايير الأخلاقية، وهي تؤثر سلباً في سمعة المؤسسة، والعمليات الجارية ضمنها، ومستوى الأداء، والنجاح على الأمد الطويل إذا تم إهمالها. تشمل الممارسات العمالية السيئة تدني مستوى التنوع والشمولية، وانتهاكات حقوق الإنسان، وعدم التزام الموردين المعايير الأخلاقية، والتأثيرات البيئية والمناخية، والاحتجاجات، والحراكات على سبيل المثال. يمكن أن تتفاقم هذه المخاطر بسرعة كبيرة في العصر الحديث الذي يتميز بوسائل الاتصال الفائقة.

تطالب المجالس برفع مستوى الدقة في ما يتعلق بالقضايا الاجتماعية المادية التي تواجهها المؤسسات بالإضافة إلى المخاطر والفرص المرافقة لها. يمكن أن يشمل تركيز المجلس الأنشطة التالية:

  • مراجعة الإجراءات الإدارية لتحديد المخاطر الاجتماعية وتقييمها.
  • اختبار إستراتيجيات تقليل المخاطر المفروضة من قبل الإدارة التنفيذية.
  • تلقّي تقارير دورية من الإدارة عن المخاطر وإستراتيجيات التعامل معها.
  • مناقشة عوامل الخطر الناشئة والمتفاقمة.

يجب إدراج هذه الجوانب ضمن جدول أعمال المجلس من أجل ضمان استمرارية تنفيذ إجراءات إدارة المخاطر وتعزيز المرونة التنظيمية.

4. مراجعة هيكلية وجدول أعمال المجلس

تواجه المؤسسات صعوبةً في التعامل مع المسائل الطارئة بسبب ضيق الوقت وتعقيدات جدول أعمال مجلس الإدارة.

يجب أن يلتزم مجلس الإدارة بإعطاء الأولوية لهذه المسائل ويتحقق من توفر اللجان وأنظمة الدعم المطلوبة لإجراء نقاشات مفصلة ضمن إطار فِرَق أو مجموعات فرعية تمتلك المهارات والإمكانات المطلوبة.

يمكن أن يساعد تقييم ترتيبات، وإجراءات، وهيكلية عمل الحوكمة في فهم آلية إدارة إستراتيجيات المؤسسة ومرونتها المتعلقة بالأثر الاجتماعي. يمكن أن ينظر المجلس في إمكانية إدراج التأثير الاجتماعي ضمن صلاحيات لجان مجلس الإدارة لكي يضمن إيلاء الموضوع الاهتمام الكافي.

يجب أن يتحقق المجلس أيضاً من قدرة الأعضاء على فهم أصحاب المصلحة، وإدراج الأثر الاجتماعي ضمن إستراتيجية العمل، وإثبات الالتزام بالأهداف الموضوعة. يمكن إجراء برامج تعليمية لتثقيف أعضاء المجلس وتعزيز ثقتهم بأنفسهم لكي يتمكّنوا من طرح الأسئلة المناسبة خلال الاجتماعات، ومجادلة المديرين التنفيذيين، ودعمهم.

5. تقييم التأثير وفرض المحاسبة الإدارية

تُعتبَر القدرة على تقييم مستوى الأثر الاجتماعي من أهم عناصر رصد التقدم، ومع ذلك تواجه المؤسسات صعوبة في إنشاء مقاييس مدروسة، وموثوقة، ومضبوطة. بالتالي، يجب أن يفهم أعضاء الفريق آلية اختيار المقاييس المناسبة، ومبدأ عملها، وحساباتها لكي يتحققوا من فعاليتها وكفاءتها في تقييم مقدار التقدم.

يساعد الإفصاح عن إنجازات وتحديات مبادرات الأثر الاجتماعي في كسب ثقة أصحاب المصلحة، وإثبات جدية المجلس في أخذ وجهات نظرهم بعين الاعتبار، وتشكيل قدوة حسنة للمؤسسات الأخرى.

تقييم مستوى الأثر الاجتماعي

تعزز المحاسبة من نتائج الأثر الاجتماعي التي تطمح المؤسسات لتحقيقها، ومن هذا المنطلق، يجب أن تتضمن إستراتيجية عمل المؤسسة مسؤوليات طاقم الإدارة المكلفين بتطبيق مبادرات الأثر الاجتماعي وتحقيق النتائج المرجوة. يجب أن تتضمن أهداف المجلس المحاور التالية:

  • النظر في ضرورة ربط تعويضات العاملين في الإدارة التنفيذية مع مقاييس الأثر الاجتماعي.
  • تحديد نتائج قابلة للقياس لتقييم الأثر الاجتماعي، وربطها مع الأهداف التي تسعى المؤسسات لتحقيقها.
  • المراجعة المنتظمة للأداء ومقارنته مع الأهداف الموضوعة.
  • ضمان شفافية التقارير التي تصدرها الشركة.

في الختام

يؤدي مجلس الإدارة دوراً محورياً في الإشراف على العمليات الجارية ضمن المؤسسة، وتمكينها من النجاح، والحفاظ على مرونتها التنظيمية. كما يجب اتخاذ تدابير العمل اللازمة لتحسين سمعة المؤسسة ومصداقيتها ورفع مكانتها في السوق. تزداد مطالب أصحاب المصلحة، مما يفرض على عاتق مجلس الإدارة مهمّة تأدية الدور المطلوب منه على صعيد التأثير الاجتماعي، وعليه يجب إدراج الموضوع ضمن الإستراتيجية الشاملة للمؤسسة وجدول عمل المجلس.

تساهم المجالس في نجاح الشركة وتحقيق الأثر الاجتماعي المطلوب عندما تشرف على عمليات القيادة التنفيذية.

آخر المقالات

كن على اطلاع بأحدث الأخبار

اشترك الآن لتحصل على أحدث المقالات والأبحاث والمنتجات التي تجعلك أقوى من أي وقت مضى