يعاني القادة ومنظماتهم في جميع أنحاء العالم اليوم مع توالي الاضطرابات والأزمات المفاجئة، وقد زادت التأثيرات السلبية لهذا الوضع بسبب تداخل هذه الأزمات لتشكل حالة معقدة من عدم اليقين. هذه فترة غير مسبوقة في العصر الحديث، ولا يبدو أنَّ نهايتها قريبة؛ لذلك يجب أن نتأقلم مع هذا العالم متعدد الأزمات باكتساب المهارات اللازمة لمواجهتها.
"لا غنى للقيادة والتعلم عن بعضهما بعضاً." – الرئيس الأمريكي السابق "جون إف. كينيدي" (JFK).
التحدي الرئيس
تعرَّضت المنظمات، وقادتها، ومجالس إدارتها لضغوطات كبيرة خلال السنوات الماضية، مما يحتِّم على هؤلاء القادة الانتقال من عقلية النجاة إلى عقلية التأقلم مع التغيرات لكي ينجحوا في عملهم؛ إذ تشير بعض الدراسات الحديثة عن القيادة إلى أنَّ غالبية القادة يشعرون بالقلق حيال قدرة منظماتهم على التعامل مع تحديات المستقبل، كما يواجه عدد منهم مشقة بالغة في التكيف مع التغيرات وقيادة فِرَق العمل بفعالية، مما يقوِّض ثقة الموظفين بالقيادة ويخفِّض مستوى الأداء.
تنجح الجهود البطولية على الأمد القصير في الأزمات، إلا أنَّ هذه الطريقة غير مستدامة وغير صحية في عالم مليء بالأزمات المستمرة والمتعددة. تناقش الكاتبتان "ميكايلا كيريسي" (Michaela Kerrisey) و"أيمي إدموندسون" (Amy Edmondson) هذا الموضوع في مقال "القيادة خلال أزمة مستمرة تتطلب نهجاً مختلفاً" (Leading Through a Sustained Crisis Requires a Different Approach)، فتشيران إلى أنَّ الأزمات المستمرة التي تتضمن مشكلات مترابطة، تتطلب قدرات جديدة ومختلفة عن تلك المطلوبة لمواجهة الأزمات المفاجئة.
إنَّ القدرات التقليدية في الإدارة والقيادة -التي أثبتت فعاليتها في الماضي- غير كافيةٍ للتعامل مع البيئات المضطربة الجديدة. يجب كسر الحلقة المفرغة (مفاجأة ومعاناة ورد فعل اضطراري)، وتمكين المنظمات من مواجهة المستقبل بقوة والتكيف مع أية تغييرات.
تنتقل المنظمات الجاهزة للمستقبل من ردود الفعل العشوائية إلى الاستجابة المدروسة للتحديات والفرص، فهي تتعافى بسرعة أكبر وتكون مستعدة لأي شيء قادم، مما يمكنِّها من اقتناص الفرص مبكراً وجني مكافآت أكبر، بالتالي فإنَّ الحاجة للتغيير مُلحَّة.
كيف نواجه هذا التحدي؟
يناقش المقال نموذجاً قيادياً مكوَّناً من 5 مهارات قيادية أساسية للمستقبل، تمهِّد للقادة طريقهم للنجاح في بيئة تتسم بالتغيير المتسارع، والأزمات المتكررة والمتزامنة، والمستقبل المجهول.
يعتمد هذا النموذج على مبدئين أساسيين:
المبدأ الأول:
لا يختار القادة ظروفهم، لكنَّهم يقررون رد فعلهم؛ إذ يمكن للشخص أن يقرر بين أن يكون قائداً أو مُنقاداً. يتقدم القادة للأمام ويستلمون زمام الأمور ويتجاوزون العقبات، بينما يختبئ المنقادون ويتركون الأمور تسير بلا تدخل.
المبدأ الثاني:
يجب على القادة رؤية الأمور والتفكير فيها والتصرف تصرُّفاً مختلفاً:
- رؤية الأمور رؤية مختلفة: يقيِّم القائد وضع الشركة من وجهة نظر الأطراف المعنية، ويحقق التوازن بين الرؤية العامة وتحليل التفاصيل الدقيقة عند الحاجة.
- التفكير تفكيراً مختلفاً: يعني تحديث القادة منهجيات العمل التقليدية واختبار الافتراضات المُعتمَدة؛ إذ يبحثون عن طرائق أفضل لمواجهة التحديات، ويجربون أساليب ونماذج مختلفة، ويدركون أنَّ التفكير الثنائي المحدود غير كافٍ للتحديات المعقدة؛ لذلك يتبنون التفكير الشامل لإيجاد حلول أفضل.
- التصرف تصرُّفاً مختلفاً: يبدأ من إدراك أنَّه من غير المنطقي القيام بالخطوات نفسها وتوقع نتائج مختلفة؛ إذ يدرك القادة بعد رؤية الأمور والتفكير فيها تفكيراً مختلفاً، أنَّ الوقت قد حان للعمل، وذلك عن طريق الاستعداد للمنافسة والنجاح في ظل الأزمات والتغيرات المتسارعة التي تسود العالم في العصر الحديث.
المهارات القيادية الأساسية
لا تغني المهارات القيادية التي يناقشها المقال عن المؤهلات الأساسية للأدوار القيادية والإدارية؛ بل إنَّها تعززها وتزيد فعاليتها، بالتالي تمثل كل واحدة من هذه المهارات حلاً لتحدٍ ما، فبدلاً من اعتبار كلٍّ منها خياراً ثنائياً محدوداً (عقلية ثابتة)، تعتمد كل مهارة على التفكير الشمولي لإيجاد طريقة ثالثة وأفضل (عقلية نمو).
فيما يأتي 5 مهارات قيادية ضرورية للاستعداد للمستقبل:
1. الريادة واستشراف المستقبل
يدرك مَن يمتلك هذه المهارة أهمية فهم الوضع الحالي والتنبؤ بالمستقبل تنبُّؤاً أفضل، كما يكوِّن وجهة نظر دقيقة عن الظروف الراهنة من خلال رؤية الأمور رؤية مختلفة، مع مراعاة العوامل داخل وخارج المنظمة. يتخيل الحالة المستقبلية المرغوبة للمنظمة، ويقيِّم البيئة لتحديد ومراقبة وتقييم المؤشرات والتوجهات الحديثة، ويفكر أيضاً في مجموعة متنوعة من السيناريوهات المستقبلية ويجمع الرؤى لتوجيه عملية اتخاذ القرار.
2. التعلُّم والخبرة
يدرك مَن يمتلك هذه المهارة أنَّ الخبرة والمعرفة غالباً ما تكون غير كافية للنجاح في مستقبل تسوده الأزمات والتغيرات، فهو يتمتع بفضول كبير ويطرح أسئلة متميزة لجذب الآخرين، كما يستمع إلى مختلف وجهات النظر ويتعلم منها. يرحِّب بالنقاش البنَّاء ويشجع الآخرين على انتقاد الممارسات والافتراضات التقليدية، كما أنَّه يوفر بيئة نفسية آمنة تشجع الجميع على المشاركة، ويواصل تعلمه مدى الحياة ويعزز قدرات التعلم، ويشجع الجميع على ذلك.
3. اتخاذ مخاطر محسوبة النتائج
يدرك مَن يمتلك هذه المهارة أنَّ اتخاذ المخاطر المحسوبة أمر ضروري للتنافس، واغتنام الفرص الجديدة، ومواجهة التحديات الطارئة. يعزز الوعي بالمخاطر ويوسع نطاقه، مع الأخذ بالحسبان ترابط المخاطر وتأثيراتها المتنوعة؛ إذ يحسن استعداد المنظمة، ومرونتها، وقدرتها على الاستفادة من المخاطر وإدارتها وتخفيفها، ودعم تحقيق الأهداف الاستراتيجية. يستخدم وجهات النظر الناتجة في تسريع وتحسين عمليات اتخاذ القرار، وضمان مراعاتها للمخاطر المحتملة.
4. التنفيذ الاستراتيجي
ينفِّذ مَن يمتلك هذه المهارة الاستراتيجيات على أرض الواقع بسرعة وفعالية، ويدرك الروابط الوثيقة بين الاستراتيجية والتنفيذ، ويركز على تنفيذ الاستراتيجيات بينما يتعامل مع القضايا التشغيلية، ويتكيف مع الظروف المتغيرة، فيدرك أنَّ اتخاذ القرارات التفاعلية قصيرة الأمد، يمكن أن يؤثر سلباً في الأداء المستقبلي، كما أنَّه يأخذ بالحسبان عواقب كل قرار قبل اتخاذه.
5. التعاون والمسؤولية
يتعاون مَن يمتلك هذه المهارة مع كافة وحدات وفِرَق المنظمة لمواجهة التحديات المعقدة وتحقيق الأهداف المشتركة، كما أنَّه يشجع ويمكِّن التعاون بين الأفراد. يدعم المساءلة الجماعية لتحقيق النتائج الحاسمة، ولا يتدخل في التفاصيل؛ بل يسمح للفرق بإدارة نفسها وتحمل مسؤولية مهامها. يبني فِرَقاً ديناميكية تتناسب مع الأغراض التي يمكن أن تتجاوز الهيكل التنظيمي الحالي لتحقيق الأهداف وتقديم النتائج الهامة.
فعالية المهارات القيادية الخمسة
تدعم وتعزز هذه المهارات بعضها بعضاً، وعلى الرغم من أنَّ لكلٍّ منها فوائد مميزة، إلَّا أنَّ تأثيرها أكبر عندما تتَّحد؛ إذ تساعد هذه المهارات على اكتشاف المشكلات واتخاذ التدابير اللازمة للتعامل معها بسرعة، مما يزيد من قدرة المنظمة على تحمل الصدمات والتعافي بسرعة، بالتالي تقل المخاطر السلبية وتتعزز العوائد الإيجابية، فتصبح المنظمة جاهزة لاقتناص الفرص قبل الآخرين.
يجب أن تكتسب الفِرَق القيادية هذه المهارات وتستفيد منها في اكتشاف الحل قبل أن تتفاقم المشكلات، كما يجب على القادة الأفراد أن يتقنوا 1-3 من هذه المهارات ويدركوا أهمية بقيتها. يمكن أن يغيِّر ذلك مسار الأداء المستقبلي ويثري جميع الأطراف المعنية.
مسؤولية بناء منظمات قوية
تقع هذه المسؤولية على عاتق الفريق التنفيذي و"مدير التعلم" (Chief Learning Officer - CLO)، كما قال الرئيس الأمريكي السابق "هاري ترومان" (Harry Truman): "هنا المسؤولية النهائية".
يتولى جميع أعضاء فريق القيادة مسؤولية الاستعداد للمستقبل، وتوجيه المنظمة وتمكينها من تحقيق الهدف نفسه؛ إذ يعدُّ التزام الفريق القيادي الكامل، وأفعاله المدروسة، والمتابعة المستمرة أمراً ضرورياً، بالتالي سيكون التغيير صعباً دون ذلك، إن لم يكن مستحيلاً.
يؤدي مدير التعلم دورين حيويين ومتكاملين:
- عضو في الفريق القيادي: يشارك في الجهود الرامية لتعزيز أداء الفريق وجهوزيته للمستقبل، كما يُنمذِج السلوكات المرغوبة بوضوح ويدعم بنشاط جهود توجيه وتمكين جميع القادة في المنظمة للقيام بالمثل.
- مدير للتعلم: يقود ويشرف على وظيفة التعلم والتطوير، فهو يوجه، ويدعم، ويراقب، ويتابع تأثير الجهود المبذولة لتطوير قادة المستقبل، وفِرَق القيادة، والمنظمة ككل.
يعمل مدير التعلم الفعال بوصفه حافزاً للفريق القيادي وللمنظمة بأسرها، مما يشجع الجميع على العمل والاستعداد لمواجهة الظروف المستقبلية. يصبح رمزاً لهذا الجهد، مما يساعد على استمراره مع بقية الفريق القيادي، فيتحول مدير التعلم في هذا السياق إلى محرِّك تغيير حقيقي للمنظمة.
5 خطوات لبناء فريق قيادي تنفيذي يتمتع بالمهارات القيادية الخمسة
- تبرير الحاجة إلى التغيير: يتناقش الفريق ويوثق التحديات والمخاطر التي يواجهها، فيقدِّر الاستثمارات اللازمة للاستعداد للمستقبل والفوائد المتوقعة منها، ويقارن ذلك بالتكاليف والمخاطر المرتبطة باستمرار الوضع الراهن. تُستخدَم هذه المعلومات لإقناع مجلس الإدارة بضرورة التغيير وجدوى الاستثمار فيه.
- التثقيف: تقديم لمحة عن المهارات القيادية الخمسة، موضحاً كل منها على حدة ولماذا تعدُّ جميعها ضرورية معاً.
- تقييم الجاهزية المستقبلية: إجراء تقييم للقادة وفرق القيادة حول جاهزيتهم للمستقبل.
- إجراء ورشات عمل للفريق القيادي التنفيذي: تقديم تعليم إضافي، ومراجعة ومناقشة نتائج التقييم في سياق استراتيجية المنظمة وعملياتها والبيئة الحالية والمتوقعة، وتحديد مجالات التحسين، وثغرات الإمكانيات، وقيود الموارد، وتقييمها، وترتيبها وفق الأولوية، وتصميم خريطة طريق عالية المستوى تجاه المستقبل.
- بدء العمل على تنفيذ الخطة: مراجعة التقدم شهرياً، والاحتفاء بالنجاحات وإجراء التعديلات اللازمة على خطة العمل.
يمكن لمدير التعلم توجيه وتنظيم هذه الجهود، ولكن يُوصى بالحصول على إرشادات خارجية لتسمح له بالمشاركة وضمان مناقشات صريحة ترحب بجميع وجهات النظر.
تؤهل هذه المرحلة مجموعة من المدراء التنفيذيين المستعدين لتطبيق المهارات القيادية أمام زملائهم لكي يتعلموا منهم.
بناء منظمة قوية مستعدة لمجابهة المستقبل
الخطوة التالية هي تطوير مستوى القيادة، فيجب على مدير التعلم وفريق تطوير المهارات البدء في وضع برنامج قابل للتكرار، يستند إلى الخبرات المستفادة من المرحلة الأولى، ثم إجراء تجارب عليه وتنقيحه قبل إطلاقه، بالتالي ينبغي على أعضاء الفريق التنفيذي أن يدعموا كل مجموعة جديدة بفعالية، من خلال المشاركة أحياناً بوصفهم أقراناً في جلسات رئيسة، ليظلَّوا على اطلاع بالتقدم والتحديات الجديدة.
لضمان نجاح هذا التحول واستمراريته، يُوصى باتباع الخطوات التالية:
- تطوير مجموعة أدوات برنامج هيكلية: تشمل عرضاً تقديمياً أساسياً، ودليلاً للميسرين، وأدوات وقوالب توجه وتعزز الممارسات.
- تدريب الميسرين: لقيادة الجلسات الأولية والعمل بوصفهم مدربين خلال فترة التحول.
- إعداد وتأهيل قادة التغيير: ليكونوا محفزين، ومدربين، وداعمين لهذا التغيير، وعليهم إيصال الرسائل الهامة، وحل أية مشكلات تتعلق بالمساهمين، وتقديم تحديثات، ومشاركة النجاحات، والاعتراف بالإنجازات والقادة الاستثنائيين.
- دمج المهارات القيادية الخمسة في تطوير وإدارة المواهب: بما في ذلك التخطيط للبدلاء، وتطوير القيادة، وإدارة الأداء.
في الختام
لا يعدُّ الاستعداد للمستقبل علماً معقداً ولا فكرة جديدة، ولكنَّ ذلك لا يعني أنَّه سهل؛ إذ تتطلب الجاهزية للمستقبل اهتماماً مستمراً، واستثماراً، ويقظةً دائمة، فلم يعد بإمكاننا التركيز فقط على النتائج قصيرة الأجل، مثل الكفاءة والإنتاجية، على حساب الاستعداد العام والقدرة على التحمل. لقد شهدنا التكاليف العالية والمخاطر التي تترتب على ذلك.
يعدُّ إغفال أهمية الاستعداد للمستقبل في بيئات مليئة بالتحديات مغامرة غير محسوبة النتائج تشبه لعبة الروليت الروسية، وغالباً الفرص ليست في صالحك، وستكون العواقب مؤكدة وسلبية عند أول أزمة تعترض المنظمة. ابدأ اليوم، فمستقبلك يعتمد على ذلك.