English

القيادة الموقفية في المؤسسات الحديثة: لماذا أصبحت ضرورة؟

يجب أن يواكب أسلوب القيادة متطلبات المرحلة الراهنة والأفراد لكي تنجح المؤسسة في العصر الحديث، وهنا تبرز أهمية القيادة الموقفية التي تقتضي مراعاة شخصية الأفراد ومستوى تطورهم المهني. وضع المؤلفان "بول هيرسي" (Paul Hersey) و"كين بلانشارد" (Ken Blanchard) مفهوم القيادة الموقفية في ستينيات القرن الماضي، الذي لم يعد اليوم مجرد مهارة إضافية، بل أصبح ضرورةً قياديةً أساسيةً في ظل التغيرات المتسارعة في الأسواق، والتحول الرقمي، والعمل الهجين، وتبدّل توقعات الموظفين، وغيرها من المعطيات التي فرضت واقع إداري جديد يتطلب نمط قيادي مرن يراعي البعد الإنساني.

على عكس النماذج التقليدية التي تفرض أسلوباً قيادياً واحداً صالح لكل زمان ومكان، تنطلق القيادة الموقفية من مبدأ بسيط وعميق في آن واحد: لا يوجد أسلوب قيادة واحد يناسب الأشخاص جميعاً أو المواقف المختلفة. فالقائد الفعّال هو من يغير سلوكه القيادي تبعاً لمستوى جاهزية الأفراد، وطبيعة المهمة، والظروف المحيطة.

يسلط هذا المقال الضوء على الحاجة الملحة إلى القيادة الموقفية في المؤسسات الحديثة، ويقارن مفهوما التوجيه والتفويض، ويرد على الاعتراض الشائع القائل إنَّ المهارات التقنية وحدها كافية للقيادة، مع الاستناد إلى دراسات وتقارير عالمية موثوقة.

الحاجة الملحة إلى القيادة الموقفية في المؤسسات الحديثة

التداعيات الاقتصادية لغياب المرونة القيادية

تُظهر البيانات العالمية أنَّ غياب القيادة المرنة لا يُعد مشكلةً إداريةً فحسب، بل أزمة اقتصادية حقيقية، فبحسب تقرير "غالوب" (Gallup) حول حالة بيئة العمل العالمية في عام 2025، يؤدي ضعف اندماج الموظفين، والذي يُعد نتيجة مباشرة لأساليب القيادة الجامدة، إلى خسائر اقتصادية تُقدّر بنحو 9.6 تريليون دولار سنوياً على مستوى الاقتصاد العالمي.

لا تنجم هذه الخسائر فقط عن انخفاض الإنتاجية، بل أيضاً نتيجة:

  • ارتفاع معدلات دوران العمالة.
  • زيادة الغياب والإجهاد الوظيفي.
  • تراجع الابتكار وضعف الولاء المؤسسي.
  • تصاعد النزاعات الداخلية وسوء التواصل.

تفترض القيادة غير المرنة أنَّ الموظفين يستجيبون بالطريقة نفسها للأوامر والتعليمات، متجاهلة الفروق الفردية في الخبرة، والحماس، والاستقلالية. ومع ازدياد الاعتماد على الفِرَق متعددة التخصصات، ووجود أجيال مختلفة من الموظفين في مكان العمل، أصبح هذا الافتراض مكلفاً وغير واقعي.

في المقابل، تتيح القيادة الموقفية للقائد أن يختار أسلوبه بدقة، فيقلل من التوتر الداخلي، ويرفع كفاءة الأداء، ويحد من الهدر المالي الناتج عن سوء الإدارة البشرية. يُذكَر من أبرز محاسن القيادة الموقفية تحسين جودة التواصل، وتعزيز كفاءة فريق العمل، ورفع معنويات الموظفين.

لا تكفي المهارات التقنية وحدها للقيادة

لطالما ارتبطت القيادة، خاصةً في المجالات التقنية والهندسية، بالكفاءة المعرفية والخبرة التقنية. غير أنَّ الواقع التنظيمي الحديث أثبت أنَّ التميّز التقني لا يضمن النجاح القيادي.

يؤكد تقرير "توجهات المواهب العالمي" (Global Talent Trends) الصادر عن منصة "لينكد إن" (LinkedIn) في عام 2019، أنَّ أرباب العمل حول العالم باتوا يضعون المهارات الناعمة ضمن أعلى أولويات التوظيف والتطوير القيادي، متقدمة في كثيرٍ من الأحيان على المهارات التقنية البحتة، وعلى رأسها:

  • الذكاء العاطفي.
  • التواصل الفعال.
  • القدرة على التكيف.
  • العمل الجماعي.

السبب في ذلك واضح: لا يعمل القائد مع أنظمة فقط، بل مع بشر تحكمهم الدوافع، والمشاعر، والتصورات، والصراعات. يؤدي تجاهل هذا البعد إلى قرارات صحيحة تقنياً لكنها فاشلة إنسانياً، وبالتالي غير مستدامة.

"القيادة الموقفية هي نهج مرن يغير فيه القائد نمط إدارته (توجيه، تدريب، دعم، تفويض) بناءً على مستوى نضج الموظف. تبرز حاجتها بسبب ارتفاع تكاليف دوران العمالة وغياب الوعي العاطفي، مما يتطلب حل يدمج الذكاء العاطفي في التدريب المهني لتحسين اتخاذ القرار وحل النزاعات".

 القيادة الموقفية في المؤسسات الحديثة

"التفويض" (Delegating) مقابل "التوجيه" (Directing): أيهما الأفضل لنمو فريقك؟

التوجيه: المزايا، والعيوب، ومتى نستخدمه

يقتضي التوجيه إصدار تعليمات واضحة ومباشرة، مع مراقبة دقيقة للأداء.

الحالات المُثلى لتطبيق أسلوب التوجيه:

  • الموظفون جدد أو مبتدئون.
  • المهام حرجة ولا تحتمل الخطأ.
  • حالات الطوارئ أو الأزمات.

المزايا:

  • سرعة الإنجاز.
  • تقليل الأخطاء في المراحل الأولى.
  • وضوح التوقعات والمسؤوليات.

العيوب:

  • يحد من الاستقلالية.
  • يقلل الحماس على الأمد الطويل.
  • غير مناسب للموظفين ذوي الخبرة العالية.

التفويض: المزايا، والعيوب، ومتى نستخدمه

يقدم القائد وفق أسلوب التفويض الحد الأدنى من التوجيه والدعم، ويمنح الموظف صلاحيات كاملةً لاتخاذ القرار والتنفيذ.

الحالات المثلى لتطبيق أسلوب التفويض:

  • الموظف خبير.
  • تتطلب المهام الابتكار والاستقلالية.
  • بناء قادة مستقبليين داخل المؤسسة.

المزايا:

  • يعزز الثقة والتمكين.
  • يخفف الضغط عن القائد.
  • يطور مهارات القيادة لدى الفريق.

العيوب:

  • خطر سوء التنفيذ إن تم في وقت مبكر.
  • يتطلب ثقة عالية ونضج مهني.
  • قد يؤدي إلى فقدان السيطرة إن أسيء استخدامه.

من منظور منطقي بحت، يقلل التفويض العبء الإداري على القائد، مما يسمح له بالتركيز على التخطيط الاستراتيجي واتخاذ القرارات الكبرى. غير أنَّ هذا لا يتحقق إلا عندما يُمارس التفويض في الوقت المناسب، بناءً على تقييم دقيق لمستوى جاهزية الأفراد.

"تعتمد المفاضلة بين التوجيه والتفويض على مستوى الجاهزية. التوجيه ضروري للإنجاز العملي المباشر عند نقص الخبرة، بينما يعزز التفويض القيادة والمرونة لدى الخبراء. النتيجة: الذكاء العاطفي هو العامل الحاسم في تحديد اللحظة المناسبة للانتقال من التوجيه إلى التفويض".

هل يمكن للذكاء العاطفي أن يعوض نقص الخبرة التقنية في القيادة؟

الحجة المضادة: "المهارات التقنية هي الأساس في المجالات المعقدة"

يرى منتقدو التركيز على الذكاء العاطفي أنَّ القيادة، خاصة في القطاعات المعقدة كالهندسة أو التكنولوجيا أو الطب، يجب أن تستند أولاً إلى المعرفة التقنية العميقة، لأنَّ القرارات الخاطئة قد تكون مكلفة أو خطيرة.

تُعد هذه الحجة صحيحةً جزئياً؛ إذ لا يمكن لقائد يفتقر إلى الحد الأدنى من الفهم التقني أن يقود الفِرَق المتخصصة بفعالية.

الدحض – لماذا لا يكفي الاعتماد على التقنية وحدها؟

لا تكمن المشكلة في أهمية المهارات التقنية، بل في الاعتقاد بأنها كافية. فالقائد قد يكون خبير تقنياً، لكنه:

  • يعجز عن تسوية الخلافات.
  • يفشل في تحفيز فريقه.
  • يتسبب في تكرار حالات الاستقالة.
  • يخلق بيئة عمل سامة دون قصد.

تشير أبحاث متعددة، من بينها أعمال عالم النفس "دانيال جولمان" (Daniel Goleman)، إلى أنَّ الذكاء العاطفي يُعد مؤشراً أقوى على النجاح القيادي من معدل الذكاء العقلي أو الخبرة التقنية وحدها، خاصة في المستويات الإدارية العليا.

تطبق شركات التكنولوجيا العملاقة، وعلى رأسها "مايكروسوفت" (Microsoft) و"أبل" (Apple)، نمط القيادة الموقفية، وذلك من خلال الموازنة بين الدعم والتوجيه. وقد مكَّنت هذه المنهجية شركة "مايكروسوفت" من تقييم موظفيها وتطويرهم، وتحسين سلوكات توزيع المهام وبناء العلاقات لرفع مستوى الإنتاجية.

"يفترض بعض المحتجين أنَّ التخصص العميق يغني عن المهارات الوجدانية، ولكن يثبت الواقع أنَّ نقص الوعي العاطفي يؤدي لصراعات داخلية وفقدان الحافز. لذا، الاستثمار في الذكاء العاطفي ليس رفاهية، بل هو المحرك الأساسي للأداء الجماعي والقيادة الفعالة المستدامة".

الذكاء العاطفي في القيادة

الأسئلة الشائعة

1. ما الفرق الجوهري بين المدير والقائد الموقفي؟

يركز المدير على المهارات التقنية والإنجاز المباشر، بينما يوظف القائد الموقفي الذكاء العاطفي لتكييف أسلوبه مع احتياجات الأفراد لضمان استمراريتهم وتأثيرهم.

2. كيف أبدأ بتطبيق القيادة الموقفية اليوم؟

ابدأ بمهارة واحدة مثل التعاطف لفهم ضغوطات الموظفين، ثم انتقل تدريجياً إلى التوجيه أو التفويض بناءً على مستوى جاهزيتهم.

3. هل تزيد القيادة الموقفية من التوتر في العمل؟

على العكس، غيابها هو ما يرفع معدلات التوتر. يحسِّن تطبيقها الصحيح بيئة العمل ويزيد ولاء الموظفين.

في الختام

لم تعد القيادة الموقفية خياراً تنظيمياً ثانوياً، بل أصبحت ضرورةً استراتيجيةً؛ فهي النموذج الذي يجمع بين الكفاءة التقنية والوعي الإنساني، ويمنح القائد القدرة على التكيف.

كما ويُعد الاستثمار في تطوير القادة على أسس القيادة الموقفية والذكاء العاطفي استثماراً مباشراً في استدامة الأداء، وتقليل التكاليف الخفية، وبناء ثقافة عمل صحية وقادرة على الصمود.

لذا، ابدأ اليوم بتقييم أسلوبك القيادي: هل تقود موظفيك جميعاً بالطريقة نفسها؟ أم أنك مستعد لتبني قيادة أكثر وعي ومرونة تصنع الفارق الحقيقي في مؤسستك؟

هذا المقال من إعداد المدرب صالح فدعق كوتش معتمد من ولفا أكاديمي.

آخر المقالات

كن على اطلاع بأحدث الأخبار

اشترك الآن لتحصل على أحدث المقالات والأبحاث والمنتجات التي تجعلك أقوى من أي وقت مضى