هل تساءلت يوماً كيف تتمكن بعض فرق العمل من تحقيق الابتكار في القيادة والتكيف السريع مع التحديات، بينما تكافح فرق أخرى؟ الإجابة تكمن غالباً في قوة القيادة بالفضول. في الواقع، وجدت دراسة أجرتها "إيجل هيل كونسلتينج" (Eagle Hill Consulting) في عام 2023 أنَّ 64% من الموظفين يرون أنَّ ثقافة الشركة هي المحرك الأساسي للابتكار والإبداع. يؤكد هذا على أهمية بناء ثقافة التساؤل التي تشجع الفضول.
سيكشف هذا المقال كيف يمكن لنهج القيادة بالفضول أن يُطلق العنان للابتكار ويدفع عجلة التكيف القيادي داخل فرق العمل، مما يجعلها أكثر مرونة واستعداداً لمواجهة مستقبل متغير باستمرار.
أهمية الفضول في القيادة الحديثة
القيادة بالفضول هي نهج قيادي يضع التساؤل المستمر، والاستكشاف، والرغبة في التعلُّم والفهم في صميم عملية صنع القرار والتفاعل مع الفريق. لا يقتصر الأمر على طرح الأسئلة فحسب، بل يتعداه إلى البحث عن إجابات جديدة، وتحدي الافتراضات القائمة، والانفتاح على وجهات نظر متنوعة؛ إذ يشجع القائد الفضولي فريقه على التفكير النقدي، والتجريب، وتقبل الفشل كفرصة للتعلم والنمو، مما يخلق بيئة تدعم الابتكار والتكيف المستمر.
الفضول كدافع للابتكار
لم يعد الابتكار مجرد ميزة تنافسية في عالم يتّسم بالتغيُّر المتسارع؛ بل أصبح ضرورةً للبقاء. يأتي هنا دور الفضول كقوة دافعة أساسية لكلّ مما يلي:
- توليد الأفكار الجديدة: لا يكتفي القادة الفضوليون بالحلول التقليدية، بل إنَّهم يطرحون أسئلة مثل "ماذا لو؟" و"لماذا لا؟"، مما يدفع فرقهم لاستكشاف إمكانات غير مطروقة وتوليد أفكار مبتكرة. يفتح هذا النهج آفاقاً جديدة للمنتجات، والخدمات، وحتى طرائق العمل الداخلية.
- تشجيع التجريب: يدفع الفضول القادة إلى تقبّل المخاطرة المحسوبة وتشجيع فرقهم على تجربة أساليب جديدة؛ إذ إنَّهم يفهمون أنَّ الفشل جزء طبيعي من عملية الابتكار، وينظرون إليه كفرصة للتعلم وتعديل المسار بدلاً من كونه نهاية المطاف.
- اكتشاف الفرص الخفية: من خلال طرح الأسئلة العميقة والبحث المستمر، يمكن للقادة الفضوليين وفرقهم اكتشاف احتياجات العملاء غير الملبّاة أو ثغرات السوق التي لم يلاحظها المنافسون بعد، مما يؤدي إلى ابتكارات رائدة.
تعزيز المرونة والتكيف في بيئات العمل المتغيرة
تُعد القدرة على التكيف السمة المميزة للمنظمات الناجحة في عصرنا. يؤدي الفضول دوراً حيوياً في بناء هذه المرونة، من خلال:
- فهم التحديات المعقدة: غالباً ما تقدم البيئات المتغيرة تحديات معقدة وغير واضحة المعالم. لذا، يتعمّق القادة الفضوليون في فهم هذه التحديات من زوايا متعددة، ويطرحون أسئلة حول الأسباب الجذرية والآثار المحتملة، مما يمكنهم من وضع استراتيجيات تكيف أكثر فعالية.
- التعلم المستمر: يغذّي الفضول الرغبة في التعلم المستمر، ليس فقط على مستوى القائد ولكن أيضاً على مستوى الفريق. يعني هذا البقاء على اطلاع بأحدث التوجهات، والتكنولوجيات الجديدة، وتغيرات السوق، مما يجهز الفريق للاستجابة بسرعة وفعالية لأي تحول.
- التفكير الاستباقي: بدلاً من مجرد التفاعل مع التغييرات بعد حدوثها، يدفع الفضول القادة والفرق للتفكير الاستباقي حول المستقبل المحتمل. يمكّنهم هذا الاستعداد من توقع التحديات وتطوير حلول مبتكرة قبل أن تصبح مشكلات ملحة.

تنمية الفضول القيادي
لا تُعد عملية تنمية الفضول القيادي مجرد امتلاك سمة شخصية، بل هي مهارة يمكن تطويرها وصقلها لتعزيز الأداء القيادي. بالتالي، يتطلب الأمر جهداً واعياً لتبني عقلية منفتحة على التعلم والاستكشاف المستمر. أحد الجوانب الرئيسة لتنمية الفضول هو التركيز على طرح الأسئلة الصحيحة والاستماع بفعالية، بالإضافة إلى خلق بيئة تشجع التساؤل والتجريب.
1. طرح الأسئلة الصحيحة والاستماع الفعال
لا يمتلك القائد الفضولي كل الإجابات، بل يمتلك القدرة على طرح الأسئلة التي تفتح آفاقاً جديدة وتثير التفكير النقدي. تتجاوز هذه الأسئلة "ماذا حدث؟" إلى "لماذا حدث ذلك؟" و"كيف يمكننا تحسينه؟"، أو "ماذا لو فعلنا شيئاً مختلفاً تماماً؟"
على سبيل المثال، يُعرف "إيلون ماسك" (Elon Musk) بفضوله الشديد الذي يدفعه لطرح أسئلة جريئة حول كل شيء، من مستقبل النقل (تسلا) إلى استعمار الفضاء (سبيس إكس). فضوله قاده لتحدي الافتراضات القائمة في صناعات راسخة ودفع حدود الابتكار؛ إذ لا تنبع أسئلته من معرفة مسبقة بكل شيء، بل من رغبة عميقة في فهم كيفية عمل الأشياء وتحسينها جذرياً. على نحوٍ مماثل، كان مؤسس "أمازون"، "جيف بيزوس" (Jeff Bezos)، يركز دائماً على "الفضول الموجه بالعميل"؛ إذ كان يطرح أسئلةً باستمرار حول ما يريده العملاء حقاً، حتى لو لم يعبّروا عنه صراحةً، ودفعه الفضول إلى إطلاق خدمات، مثل (Amazon Prime) و(AWS)، أحدثت ثورةً في التجارة الإلكترونية والحوسبة السحابية على التوالي.
لا يكتمل طرح الأسئلة من دون الاستماع بفعالية للإجابات؛ إذ يتعدّى الاستماع الفعال مجرد سماع الكلمات، ليمتدّ إلى فهم المعنى الكامن وراءها، والإشارات غير اللفظية، ووجهات النظر المختلفة. يسمح هذا للقائد بجمع معلومات أعمق، وفهم وجهات نظر فريقه، وبناء جسور الثقة.
2. خلق ثقافة التساؤل والتجريب
لا يكتفي القائد بكونه فضولياً بنفسه، بل يسعى إلى خلق بيئة تشجع الفضول في كل فرد من أفراد الفريق. بالتالي، يتطلب هذا بناء ثقافة جيدة؛ إذ يُنظر إلى التساؤل والتجريب على أنَّهما قيمتان أساسيتان. ويمكن تطبيق ذلك من خلال:
- تشجيع التساؤل المفتوح: يجب على القادة تشجيع الموظفين على طرح الأسئلة، حتى لو بدت "غبية" أو تتحدى الوضع الراهن.
- تقدير الفضول ومكافأته: إنَّ الاعتراف بالأفراد الذين يظهرون فضولاً، أو يطرحون أسئلة هامّة، أو يقترحون تجارب جديدة، يعزز هذه الثقافة.
- احتضان التجريب والفشل البناء: يؤدي الفضول حتماً إلى التجريب. لذا، لخلق ثقافة تشجع الفضول، يجب أن تكون المنظمة مستعدة لاحتضان التجريب، حتى لو أدى ذلك إلى الفشل؛ إذ إنَّ الهدف هو التعلم من هذه التجارب.
تدعم هذه الممارسات أبحاثُ مؤسسات عالمية عديدة. مثلاً، أبرزت مجلة "هارفارد بيزنس ريفيو" (Harvard Business Review) في مقال بعنوان "حالة الفضول في الأعمال" (The Business Case for Curiosity)، والمنشور في خريف عام 2018، أنَّ الفضول يؤدي إلى زيادة الابتكار، وتقليل صراعات المجموعات، وتواصل أكثر صراحةً، وتحسين أداء الفريق، مما يؤكد كيف أنَّ تشجيع التساؤل لا يقود فقط إلى أفكار جديدة بل يحسن جودة اتخاذ القرار ويقلل الاحتكاكات داخل الفريق.

تأثير القيادة بالفضول في أداء الفريق
لا تقتصر القيادة بالفضول فقط على تحسين قدرات القائد الفردية، بل تمتد لتُحدث تأثيراً عميقاً وإيجابياً في أداء الفريق ككل؛ فهي تخلق بيئة عمل ديناميكية ومحفزة؛ إذ يشعر الأفراد بالتمكين والرغبة في المساهمة بفاعلية. ويتجلّى هذا تأثير القيادة بفضول في ما يلي:
زيادة المشاركة والتحفيز
- تقدير المساهمات: يظهر القادة الفضوليون اهتماماً حقيقياً بآراء وأفكار أعضاء الفريق من خلال طرح الأسئلة المفتوحة والاستماع بفضول، مما يمنحهم شعوراً بالتقدير والانتماء.
- تعزيز الملكية: تتيح الشركات التي تشجع ثقافة التساؤل للموظفين الاستكشاف والتجريب، مما يزيد من شعورهم بملكية عملهم. فعندما يُسمح للموظفين بطرح الأسئلة حول "لماذا نفعل الأشياء بهذه الطريقة؟" و"هل يمكن أن نفعلها تقسيماً أفضل؟"، فإنَّهم يشعرون بملكية أكبر لعملهم.
- الدافعية الذاتية: تزيد هذه البيئة المحفزة من الدافعية الذاتية؛ إذ تغدو الرغبة في التعلم والتطور، بدلاً من مجرد إنجاز المهام، حافزاً للأفراد.
تحسين حل المشكلات وصنع القرار
- تحليل شامل: يشجع القائد الفضولي فريقه على النظر إلى المشكلات من زوايا متعددة وتحدي الافتراضات، مما يؤدي إلى تحليل أكثر شمولية للمواقف والبحث عن حلول جذرية. على سبيل المثال، بدلاً من البحث عن أسرع حل لمشكلة في خدمة العملاء، قد يسأل القائد الفضولي "ما الذي يجعل هذه المشكلة تتكرر؟" أو "ما هي الاحتياجات غير الملبّاة التي تقود إلى هذا؟".
- حلول مبتكرة: يقود هذا النوع من التساؤل إلى حلول جذرية ومبتكرة. القادة الفضوليون يدركون أنَّ أفضل القرارات غالباً ما تنبثق من استكشاف الخيارات المختلفة وتقييمها، حتى تلك التي تبدو غير تقليدية في البداية.
- تجنب التفكير الجماعي: يدفع الفضول الأفراد للتفكير بعمق وعقلانية أكبر حول القرارات ويؤدي إلى حلول أكثر إبداعاً، مما يقلل من "التفكير الجماعي" ويفتح الباب أمام مجموعة أوسع من وجهات النظر والحلول المحتملة.
- التعلم من التجريب: من خلال تشجيع الفريق على التجريب والتعلم من الفشل، تُبنى قدرة الفريق على التكيف والابتكار المستمر في حل المشكلات وصنع القرار.
في الختام، تؤكد محاور هذا المقال أنّ القيادة بالفضول تتعدّى كونها مجرد مهارة إضافية، بل تمتدّ لتكون جوهر تحفيز الابتكار في القيادة ومرونة التكيف القيادي في فرق العمل الحديثة. لقد رأينا كيف أنّ تبنّي القادة لثقافة التساؤل وطرح الأسئلة الصحيحة، إلى جانب تشجيع التجريب، يساهم مباشرةً في زيادة مشاركة الفريق وتحفيزه، ويحسّن قدرته على حل المشكلات وصنع القرار. يتجاوز تأثير الفضول الأفراد ليصبح قوةً دافعةً للأداء الجماعي.
اجعل الفضول حجر الزاوية في قيادتك اليوم، وشاهد كيف يزدهر فريقك بالابتكار والقدرة على التكيف في وجه أي تحدٍّ.
هذا المقال من إعداد المدرب حسين حبيب السيد، كوتش معتمد من ولفا أكاديمي