لم يعُد الخطأ مجرد عثرة عابرة في ظل التغييرات التي تشهدها المؤسسات، بل قد تؤثر سلباً في الميزانيات والسمعة المؤسسية. وعند حدوث خلل ما، تهرع الإدارات لتطبيق ما يعرف بتحليل الأسباب الجذرية (Root Cause Analysis)، ولكنَّ الصدمة تكمن في أنَّ 70% من هذه التحليلات تفشل في منع تكرار المشكلة؛ إذ لا يعود هذا الفشل إلى ضعف الأدوات، بل إلى خلل في المنهجية المتبعة والثقافة التنظيمية.
يهدف هذا المقال إلى سبر أغوار عملية حل المشكلات في العمل، وتوضيح كيف يمكن لدمج الذكاء العاطفي للقيادة مع أدوات إدارة الجودة أن يحول الفشل إلى محرك للنمو المستدام.
فخ "الإجابة الواحدة": لماذا تضللنا السطحية؟
نحن نعيش في عصر "السرعة"؛ إذ يُكافئ المديرون الموظفين الذين يكملون المهام أسرع من غيرهم، فيولد هذا الضغط ميلاً طبيعياً نحو السطحية في التفكير، وهو ما يسمى في علم النفس الإدراكي بـ "الانحياز للتأكيد" أو الرغبة في الوصول لأقرب مخرج طوارئ. في ما يلي، أبرز الأسباب التي تؤدي إلى فشل تحليل الأسباب الجذرية.
1. الاكتفاء بأول سبب يتبادر للذهن
نادراً ما ينجم الخلل الكبيرعن سبب واحد فقط؛ إذ إنَّ أغلب المشكلات تنشأ من تداخل عدة عوامل، لكنَّ كثيرون يقعون في فخ التركيز على عامل واحد وإهمال الأسباب الجذرية. يتطلب التحليل الجذري الفعال النظر في جميع الأسباب المحتملة، وفهم العلاقات بينها، بدل التسرع في تبني تفسير واحد يبدو للوهلة الأولى مقنعاً.
لنفترض أنَّ آلة تغليف تتعطل بتكرار، فقد يبدأ الفريق بتغيير السير الناقل ظناً أنَّه سبب المشكلة، ليكتشف لاحقاً أنَّ سوء المعايرة وارتفاع الرطوبة كانا سببين أساسيين في الأعطال.
لهذا، تساعد أدوات مثل: مخططات السبب والنتيجة في كشف الأسباب المتداخلة، وتمنح فرق العمل رؤية أوسع لتجنب الحلول السطحية.
2. تكرار المشكلة في دورات زمنية قصيرة
ستظل المشكلة تعاود الظهور طالما لم تُعالَج كل جذورها دون استثناء، وتحليل الأسباب الجذرية بعد وقوع الحدث غالباً ما يكون محدود الأثر نتيجة عدم اكتشاف جميع الأسباب العميقة، ولكنَّ كل سبب لم يُعالج يبقى نقطة ضعف كامنة، سرعان ما تعيد المشكلة للظهور، مهما بدت الحلول السابقة فعالةً.
ونتيجة لذلك، يعتاد الموظفون على الأعطال، ويرونها جزءاً طبيعياً من يومهم، مما يؤدي إلى استنزاف الميزانية من جهة، وتقويض تطوير فرق العمل من جهة أخرى.
نتناول، في ما يلي، بعض الدراسات التي تُثبِت أنَّ الاعتماد على المهارات التقنية وحدها دون تحليل منطقي عميق يحقق نتائج قصيرة الأمد فقط:
- في مقال بحثي معمق للباحث "توماس ويدل ويدلزبورغ" (Thomas Wedell-Wedellsborg)، استُطلعت آراء 106 من مديري الشركات الكبرى، وتبين أنَّ 85% منها تعاني من ضعف في "تشخيص المشكلات"؛ إذ يسارع الفريق التقني لحل المشكلة بناءً على مهاراته (مثلاً: يقترح المبرمج حلاً برمجياً، والمهندس حلاً ميكانيكياً)، لكنَّهم نادراً ما يحللون منطقياً ما إذا كانوا يعملون على "المشكلة الصحيحة" أصلاً.
- أجرت مؤسسة "جارتنر" (Gartner) دراسة على ما يزيد على 7000 موظف وقائد حول العالم لقياس مدى عمق فعالية الفرق التقنية، وكشفت أنَّ الموظفين الذين يمتلكون "ذكاءً تحليلياً سياقياً" (Contextual Reasoning)، وهو القدرة على ربط المشكلة التقنية بالبيئة المحيطة، يتفوقون على أقرانهم الذين يمتلكون مهارات تقنية بحتة بنسبة 20% في كفاءة حل المشكلات المعقدة.
"تنبع السطحية في تحليل الأسباب الجذرية من الاستعجال في إغلاق ملف المشكلة. النتيجة هي "حلول مسكنة" تخفي العرض ولا تعالج المرض، مما يؤدي إلى استنزاف الموارد البشرية والمادية. الربط المنطقي بين السبب والنتيجة يثبت أنَّ الحل السطحي هو مجرد تأجيل للأزمة".
الحجة المضادة: "التحليل العميق يستغرق وقتاً لا نملكه"
تدَّعي بعض المؤسسات أنَّ بعض عمليات تحليل الأسباب الجذرية تتطلب وقتاً وجهداً كبيرين وخبرة متخصصة، ويرون تحليل الأسباب الجذرية عبئاً إدارياً يعرقل الإنتاجية، فترتئي تطبيق حلول سريعة بدل الاستثمار في تحقيق عميق ومنهجي. وغالباً ما تفرض ضغوط الإنتاج نفسها، فتدفع إلى اتخاذ إجراءات تصحيحية مستعجلة تعالج الأعراض أكثر مما تعالج الأسباب الحقيقية.
تكلفة تكرار المشكلة
تدفع المنظمات التي تُهمل إجراء تحليل جاد للأسباب الجذرية ثمناً باهظاً، تظهر تأثيراته في ما يلي:
- التأثير المالي: تُستنزف الموارد في معالجة المشكلات نفسها مراراً وتكراراً، ففرق خدمة الزبائن تتعامل يومياً مع الشكاوى ذاتها، والفرق التقنية تنشغل بإطلاق حلول إسعافية لأعطال متكررة، مما يؤدي إلى ضياع الوقت والجهد والأموال على مشكلات كان يمكن تفاديها من الأساس.
- خسارة ولاء الزبائن: يفقد الزبون الذي يواجه المشكلة نفسها عدة مرات ثقته سريعاً في كفاءة المؤسسة؛ إذ يرسل تكرار الأعطال رسالةً واضحةً بوجود خلل هيكلي، ولأنَّ تكلفة استقطاب زبون جديد أعلى بكثير من الاحتفاظ بزبون حالي، تصبح خسارة الزبائن بسبب مشكلات يمكن منعها خسارةً مضاعفةً.
- تراجع معنويات الموظفين: دائماً ما يقوّض العمل على إصلاح المشكلات الصغيرة والمستعجلة الحافز؛ فلا شيء أكثر إحباطاً من الاعتذار عن الإخفاق فيض
- المشكلة نفسها مرة تلو الأخرى. وحين يشعر الموظفون بأنَّهم عالقون في حلقة مفرغة من المشكلات المتكررة، يرتفع الاحتراق الوظيفي، ويبدأ أصحاب الكفاءات في البحث عن فرص أفضل.
- تكلفة الفرص الضائعة: كل ساعة تُهدر في معالجة مشكلة متكررة هي ساعة مسلوبة من الابتكار والتحسين والنمو، فالمؤسسات التي تشغلها المشكلات العاجلة تجد صعوبة في التفكير الاستراتيجي أو الإبداع أو استشراف المستقبل.

إحصاءات حول حجم الخسائر الناتجة عن ضعف اندماج الموظفين
- أصدرت مؤسسة "غالوب" (Gallup) في تقريرها السنوي "حالة بيئة العمل العالمية 2024" إحصائية مرعبة تشير إلى أنَّ ضعف اندماج الموظفين يكلف الاقتصاد العالمي 438 تريليون دولار سنوياً.
- وفقاً لدراسة أجرتها منظمة "جمعية إدارة الموارد البشرية" (SHRM)، يكلف رحيل الموظف بسبب بيئة عمل غير محفزة المؤسسة مبالغ طائلة؛ إذ يكلف استبدال موظف واحد ما بين 150% إلى 200% من راتبه السنوي.
"قد يرى البعض أنَّ سرعة الإنجاز أهمّ من عمق التحليل. لكنّ يؤكد الدحض المنطقي أنَّ الحلول المستدامة توفر الوقت والجهد على الأمد الطويل، بينما تزيد الحلول السريعة من تعقيد الأنظمة وتؤدي لتراجع القدرة التنافسية للمؤسسة".
قائمة الأخطاء القاتلة في طرح الأسئلة وكيف تصححها
يتطلب الوصول لجذر المشكلات مهارة فعالة في طرح الأسئلة. في ما يلي، أبرز الأخطاء التي تضعف فعالية التحليل:
1. استخدام "لماذا" بطريقة استجوابية هجومية
تُعد ممارسة تقنية "الأسباب الخمسة" (5 Whys) سلاحاً ذو حدين؛ ففي حين صُممت لتكون أداةً لاستكشاف الخلل في النظام، إلا أنَّها غالباً ما تتحول في يد القادة الذين يفتقرون إلى الذكاء العاطفي إلى أداة استجواب هجومية تضع الموظف في قفص الاتهام.
حين يُطرح سؤال "لماذا" بنبرة اتهامية تركز على الفرد لا العملية (مثل: "لماذا أغفلت فحص المعايير؟")، ينشط لدى الموظف "جهاز الإنذار" في الدماغ، مما يدفعه غريزياً لاتخاذ وضعية الدفاع أو التستر على الحقائق لحماية نفسه من اللوم، بدلاً من البحث عن بيانات دقيقة حول الخلل.
الحل:
لحل معضلة "الاستجواب الهجومي"، يجب على القادة إعادة صياغة الأسئلة لتستهدف "النظام" (System) بدلاً من الفرد؛ إذ يجب استبدال سؤال الموظف بحدة "لماذا أخطأت؟" بأسئلة مفتوحة ومحايدة مثل: "ما هي العوامل في بيئة العمل التي جعلت هذا الخطأ ممكناً؟" أو "كيف خذلتنا العمليات الحالية؟".
2. التوقف عند الأسباب البشرية (إهمال الموظف) وتجاهل خلل النظام
توجيه أصابع الاتهام إلى الأخطاء البشرية، وعدَّها سبباً جذرياً للمشكلات التي تعاني منها المؤسسة، هو أسهل طريقة لتجاهل المشكلات الحقيقية الكامنة في النظام، وللأسف يشيع حدوث ذلك كثيراً.
على سبيل المثال: عند استخدام مخطط "إيشيكاوا" (Ishikawa) في تحليل السبب الجذري، يبدأ الفريق عادةً بتصنيف الأسباب المحتملة ضمن فئات: الأفراد والمواد والأساليب والآلات والقياس وأسباب أخرى. ومن بين هذه الفئات، الأسباب المرتبطة بالأفراد هي الأكثر إثارة للجدل؛ لأنَّها كثيراً ما تُستغل لتكون كبش فداء لتبرير وقوع الأخطاء.
إضافةً إلى أنّ الاعتماد المتكرر على هذا التفسير يؤدي إلى تبادل اللوم، ويُضعف ثقافة الجودة داخل المؤسسة. والأسوأ من ذلك، أنَّ المشكلات الحقيقية لا تُعالج، فتعود الأعطال للظهور مرة بعد أخرى.
الحل:
بدلاً من البحث عمن أخطأ، ركز على الظروف والنظام الذي سمح بحدوث الخطأ من الأساس؛ إذ يكشف فهم السياق مثل: إجراءات العمل والتدريب والأدوات والضغط الزمني، الأسباب الحقيقية وراء المشكلات، ويقود إلى حلول تمنع تكرار الخطأ بدل الاكتفاء بمعاقبة الموظفين.
3. غياب البيانات النوعية والاكتفاء بالانطباعات الشخصية
لعلَّ الاعتماد على الانطباعات الشخصية بدلاً من البيانات النوعية من أكبر المشكلات التي تؤدي إلى فشل عملية تحليل الأسباب الجذرية، فحين يُبنى التحليل على عبارات مثل: "أعتقد أنَّ الآلة متهالكة" أو "يبدو أنَّ الفريق متساهل"، فإنَّنا نتحرك في حيز "الآراء" لا "الحقائق"، مما يؤدي إلى تبديد الموارد في حل مشكلات وهمية.
الحل:
يحول استخدام أدوات إدارة الجودة مثل: سجلات المعايرة الرقمية والتقارير ومخططات "باريتو" (Pareto)، "الحدس" إلى "دليل قاطع". فبدلاً من افتراض أنَّ الحزام الناقل ضعيف، لنفترض أنَّ البيانات تكشف أنَّ معدل الانزلاق يزداد بنسبة 15% فقط عندما تتجاوز الرطوبة حاجز الـ 70%. يتحول هنا النقاش من تبادل وجهات النظر إلى هندسة حلول دقيقة ومستندة إلى الواقع، مما يضمن كفاءة حل المشكلات في العمل بأقل تكلفة وأعلى دقة.
"يجب تحويل الأسئلة من "مَن فعل؟" إلى "ما الذي سمح بحدوث ذلك؟"، وذلك لإشباع الحاجة لبيئة عمل صحية. كما وتشمل خطة الإشباع استخدام ورش عمل منتظمة وإدماج الذكاء العاطفي في التقييم لضمان الحيادية والمصداقية".

الأسئلة الشائعة
1. كيف أعرف أنَّني وصلت للسبب الجذري فعلاً؟
تصل للجذر عندما تجد سبباً إذا تم "إزالته" أو "تعديله"، لا يمكن للمشكلة أن تتكرر مرة أخرى بنفس الطريقة.
2. ما دور الذكاء العاطفي في تحليل الأسباب؟
يمنع "شخصنة" الأخطاء، ويوفر بيئة آمنة للموظفين للاعتراف بالثغرات في العمليات دون خوف من العقاب، مما يعزز دقة البيانات المجمعة.
3. هل نكتفي بسبب واحد في مخطط إيشيكاوا؟
لا؛ غالباً ما تنتج المشكلات المعقدة عن تداخل عدة أسباب؛ لذا، يجب ترجيح أعمق الخيارات تأثيراً بناءً على الأدلة والبيانات.
ثقافة حل المشكلات في الشركة: من الدفاعية إلى الاستباقية
إنَّ فشل تحليل الأسباب الجذرية في المؤسسة ليس قدراً محتوماً، بل هو نتيجة لثقافة "اللوم" و"السرعة الزائفة". لكي تنجح، عليك أن تتبنى عقلية "العالِم" الذي يبحث عن الحقيقة، لا عقلية "القاضي" الذي يبحث عن مذنب.
ابدأ بمراجعة آخر 3 مشكلات وقعت في قسمك: هل تم حلها جذرياً أم أنَّها ظهرت مجدداً؟ ودرب فريقك على تقنيات الأسئلة غير الهجومية، واجعل "النظام" هو المتهم الأول دائماً حتى يثبت العكس.
هذا المقال من إعداد المدرب أحمد الخطيب كوتش معتمد من ولفا أكاديمي.