هل تساءلت يوماً عن السر وراء تفوق الشركات الكبرى في عصرنا؟ لا تُعد الأبحاث التي تُظهر تفوق الشركات ذات الفرق المتنوعة بنسبة 19% في الأداء المالي مجرد أرقام، بل هي شهادة على قوة الابتكار التي يُطلقها التنوع والقدرة على تحقيق أداء عالٍ. فحين يشعر الموظفون بالانتماء والأمان في بيئة عمل آمنة، تتفتّح أفكارهم الإبداعية وتزداد إنتاجيتهم، مما يدفع الشركة نحو نتائج استثنائية. لكن، تظل التحيزات اللاواعية عقبة رئيسة إن لم تُواجه بسياسات شمولية تضمن تكافؤ الفرص وتغذي بيئة محفزة للجميع.
لنتابع في هذا المقال كيف يمكن للقيادة الشاملة أن تكون المفتاح لتعزيز هذا التنوع ودفع عجلة النجاح الجماعي.
ما هي القيادة الشاملة؟
هي نهج إداري يهدف إلى بناء فرق عمل مُتنوعة عن طريق خلق بيئة عمل آمنة ومُحفزة، يشعر فيها كل فرد بالانتماء والاحترام والتمكين. كما وتزيل هذه القيادة الفعَّالة التحيزات اللاواعية لتعزيز الإبداع والابتكار، مما يدفع المؤسسة نحو تحقيق أداء عالٍ من خلال إطلاق كامل إمكانات جميع الموظفين، بغض النظر عن خلفياتهم.
يُعدُّ التنوع والشمول ركيزة أساسية للنجاح المؤسسي؛ فهو يثري بيئة العمل بقدرة فريدة على حل المشكلات وتعزيز الإبداع والابتكار من خلال تباين وجهات النظر؛ إذ يُسهم هذا المزيج المتنوع في فهم أعمق للعملاء وتحقيق أداء عالٍ. وتبرز هنا القيادة الشاملة في تهيئة بيئة عمل آمنة تتجاوز التحيزات اللاواعية، مما يسمح لـفرق العمل المتنوعة بتحقيق أقصى إمكاناتها.
تُعد شركة "نتفليكس" (Netflix) خير مثال على ذلك؛ إذ مكّنها فبناؤها لفرق عمل متنوعة ثقافياً وجغرافياً من فهم أذواق الجماهير العالمية وتقديم محتوى يُلبّي تطلعات ثقافات مُختلفة بنجاح باهر، مما وسّع انتشارها عالمياً وزاد تفوقها في صناعة الترفيه.
فوائد بناء فرق عمل متنوعة وشاملة
يفتح بناء فرق عمل متنوعة وشاملة الباب أمام عديدٍ من الفوائد التي تعزز النجاح المؤسسي والاستدامة. فمن تعزيز الابتكار إلى تحسين الأداء، إليك بعض هذه الفوائد التي تجعل التنوع والشمول ركيزة أساسية لأي فريق ناجح:
1. زيادة الإبداع والابتكار
عندما يجتمع أفراد من خلفيات ثقافية ومعرفية وخبرات حياتية مختلفة، تتسع آفاق التفكير وتتعدد زوايا رؤية المشكلات والتحديات. يخلق هذا التباين بيئة غنية لتوليد الأفكار الجديدة وغير التقليدية؛ إذ يكسر كل فرد نمط تفكير الآخر، مما يدفع الشركة نحو حلول مُبتكرة ومنتجات وخدمات متطورة. فالاختلافات في المهارات، وأساليب العمل، وطرائق التعلُّم، تُثري النقاش وتؤدي إلى نتائج أكثر عمقاً وابتكاراً.
تُؤكد الأبحاث هذه الفائدة بوضوح؛ فقد كشفت دراسة أجرتها "هارفارد بيزنس ريفيو" (Harvard Business Review) في عام 2013، عن أنَّ الشركات التي تتبنّى التنوع في فرقها الإدارية، تتمتع بأداء ابتكاري أعلى بنسبة 19%. لا يأتي هذا التفوق مصادفةً، بل هو نتاج مباشر لبيئة تشجع فيها القيادة الشاملة على التعبير الحر عن الآراء، وتتصدى بفعالية للتحيزات اللاواعية، مما يضمن أنَّ كل صوت مسموع وكل فكرة موضع تقدير، وبالتالي تُصبح بيئة العمل آمنة لتجربة الجديد.
هذا ما يتجلّى بوضوح في شركات رائدة، مثل "آبل" (Apple)؛ إذ كان فريق التصميم لديها، الذي يضم أفراداً من جنسيات وخلفيات فنية وثقافية متعددة، عاملاً جوهرياً في تطوير منتجاتها الرائدة، مثل "آيفون" (IPhone) و"آيباد" (IPad). مكَّنهم هذا التنوع العالمي في المنظور من فهم أذواق وتفضيلات المستخدمين عبر قارات مختلفة، مما أدى إلى تصميم منتجات تتميز بابتكار عالٍ وجاذبية عالمية.
2. تحسين الأداء واتخاذ قرارات أفضل
يُثري وجود أفراد من خلفيات متنوعة النقاش، ويُقلل من "التفكير الجماعي"، مما يؤدي إلى حلول أكثر شموليةً وفعالية. تُشجع القيادة الشاملة في بيئة عمل آمنة على طرح وجهات النظر المختلفة، متجاوزة التحيزات اللاواعية.
تُظهر بعض الدراسات والإحصاءات هذه الفائدة بوضوح؛ فقد وجدت أبحاث أنَّ الفرق المتنوعة تتخذ قرارات أفضل بنسبة تصل إلى 87% من المرات مقارنة بالفرق المتجانسة. كما وجدت دراسة لشركة "ماكينزي آند كومباني" (McKinsey & Company) أنَّ الشركات ذات مجالس الإدارة المتنوعة تُحقق عوائد أعلى وأرباحاً أفضل.
يتجلّى هذا في تجارب شركات عالمية مثل "جونسون آند جونسون" (Johnson & Johnson) و"ماستركارد" (Mastercard)؛ إذ تؤكد كلتا الشركتين على أهمية التنوع في فرق القيادة والعمل كعامل محوري في تعزيز استراتيجياتها العالمية وتحقيق أداء مالي متفوق. فوجود منظورات متعددة في عمليات صنع القرار، مكّنهما من فهمٍ أعمق للأسواق والمستهلكين حول العالم، وتصميم منتجات وخدمات تلبي احتياجات شرائح أوسع، مما أسهم في تحقيق نجاحهما الباهر.

تحديات تحقيق التنوع والشمول في مكان االعمل وكيفية التغلُّب عليها
على الرغم من الفوائد الجمّة، يواجه بناء فرق عمل متنوعة وشاملة تحديات معقدة. كما يُعد فهم هذه العقبات مفتاح القيادة الشاملة لتجاوزها وضمان نجاح مبادرات التنوع والشمول. الآن، دعنا نستكشف أبرز هذه التحديات وكيفية التغلب عليها:
1. التحيُّزات اللاوعية
تُعد التحيزات اللاواعية (Implicit Biases) من أبرز التحديات وأكثرها خفاءً، والتي تعوق جهود التنوع والشمول في مكان العمل. وتمثّل هذه التحيزات قوالب نمطيةً أو أحكاماً مسبقةً تتكون في أذهاننا تلقائياً ودون وعي منّا، وتؤثر في سلوكاتنا وقراراتنا تجاه الآخرين.
غالباً ما تتجذّر هذه التحيزات في خلفياتنا الثقافية، أو تجاربنا الشخصية، أو حتى ما نتعرض له من إعلام، وتظهر في مواقف محورية، مثل:
- عمليات التوظيف.
- التقييم.
- الترقية.
- توزيع المهام.
- التفاعلات اليومية ضمن بيئة العمل.
رغم أنّها غير مقصودة في معظم الأحيان، إلا أنّ تأثيرها في تكافؤ الفرص وبناء فرق عمل متنوعة، قد يكون مدمراً.
كيف تتجلى التحيزات اللاواعية؟
يمكن أن تظهر هذه التحيزات بأشكال عديدة، منها:
- تحيز الألفة (Affinity Bias): الميل إلى تفضيل الأشخاص الذين يشبهوننا في الخلفية، أو الهوايات، أو الشخصية. على سبيل المثال، قد يميل المدير لتوظيف أو ترقية شخص تخرّج في جامعته نفسها أو يشارك اهتماماته نفسها، حتى لو لم يكن الأجدر بالوظيفة.
- تحيز التأكيد (Confirmation Bias): البحث عن المعلومات وتفسيرها بطريقة تؤكد معتقداتنا المسبقة. فمثلاً، إذا كان لدى المدير تصور مسبق بأنّ الموظفين الأكبر سناً أقل تكيفاً مع التكنولوجيا، فقد يركز على أي دليل يدعم هذا التصور ويتجاهل الأدلة التي تثبت العكس.
- تأثير الهالة (Halo Effect): السماح لانطباع إيجابي واحد (مثل جاذبية شخص أو كاريزمته) بأن يؤثر تأثيراً غير متناسب في حكمنا العام على قدراته أو مؤهلاته.
- تأثير القرن (Horn Effect): عكس تأثير الهالة؛ إذ يؤدي انطباع سلبي واحد إلى تقييم سلبي شامل للشخص.
2. خلق بيئة عمل آمنة وشاملة للجميع
يُعدُّ خلق بيئة عمل آمنة وشاملة للجميع ركيزةً جوهريةً أساسيةً لتحقيق أقصى استفادة من فرق العمل المتنوعة وضمان أداء عالٍ ومستدام. يتجاوز "الأمان" هنا مجرد السلامة الجسدية، ليمتد ويشمل الأمان النفسي والاجتماعي؛ إذ يشعر كل فرد بالانتماء، والاحترام، والتقدير، وأنَّ صوته مسموع ومساهماته ذات قيمة، بغضّ النظر عن خلفيته، أو هويته، أو خصائصه.
يُمكّن هذا الشعور بالشمول الموظفين من التعبير عن أفكارهم بحرية، والمخاطرة بابتكار حلول جديدة دون خوف من التوبيخ أو التهميش، مما يعزز الإبداع والابتكار بنسبة عالية.
يُمكن أن يؤدي الفشل في توفير هذه البيئة الآمنة والشاملة إلى شعور الموظفين بالعزلة، أو عدم التقدير، أو الخوف من التعبير عن آرائهم، مما يخنق روح الإبداع والابتكار، ويؤثر سلباً في الروح المعنوية، ويزيد من معدلات دوران الموظفين، ويعوق تحقيق الأهداف الاستراتيجية للمؤسسة.
استراتيجيات القيادة الشاملة لتعزيز التنوع والشمول
لا يتحقق التنوع والشمول بصورة فعالة بالأمنيات، بل يتطلب تطبيق استراتيجيات القيادة الشاملة المدروسة والمستمرة.
وعليه، يقع على عاتق القادة مسؤولية محورية في صياغة ثقافة مؤسسية تقدر الاختلافات وتحتضن الجميع، مما ينعكس إيجاباً على أداء الفرق والمؤسسة ككل. وتتجسد هذه الاستراتيجيات في ممارسات وسلوكات يومية، تبدأ من القمة وتتسرب إلى مستويات المنظمة كافةً، وتظهر في:
1. بناء الوعي ومكافحة التحيزات اللاواعية
تبدأ القيادة الشاملة بإدراك القادة والموظفين لوجود التحيزات اللاواعية لديهم، وتأثيرها في القرارات اليومية. لذلك، يجب أن تُستثمر المؤسسات في برامج تدريب وتوعية منتظمة، تهدف إلى الكشف عن هذه التحيزات، وتوفير أدوات عملية للتخفيف من أثرها.
2. تعزيز الثقافة الشمولية والأمان النفسي
يجب على القادة العمل بنشاط على خلق بيئة عمل آمنة نفسياً، ففي هذه البيئة، يشعر الأفراد بالراحة في التعبير عن آرائهم وأفكارهم، دون خوف من الانتقاد أو التهميش. يُشجع هذا الأمان على المخاطرة المحسوبة في طرح الأفكار الجديدة، مما يُسرع من وتيرة الإبداع والابتكار.
يتضمن ذلك الاستماع الفعال، وتقبل الأخطاء كفرص للتعلم، والاحتفاء بالآراء المتنوعة. يتضح ذلك جلياً في تجربة "جوجل" (Google)؛ فمن خلال "مشروع أرسطو" (Project Aristotle)، أكدت الشركة أنَّ الأمان النفسي هو العامل الأهم في نجاح فرقها، مما دفعها لتدريب قادتها على ممارسات تعزز هذا الأمان، وتُمكن فرق عمل متنوعة من تحقيق أداء عالٍ.

3. تطوير سياسات وممارسات عادلة ومنصفة
تتطلب القيادة الشاملة مراجعة السياسات والإجراءات وتحديثها، لضمان تكافؤ الفرص للجميع؛ إذ يشمل ذلك عمليات التوظيف القائمة على الجدارة، وتقييم الأداء الموضوعي، وبرامج التطوير والترقية العادلة.
كما تدعم الدراسات هذا التوجه؛ إذ تشير إلى أنَّ الشركات التي لديها برامج وممارسات قوية للتنوع والشمول، بما في ذلك سياسات عادلة، تشهد انخفاضاً في معدل دوران الموظفين وزيادة في الولاء.
4. القيادة بالقدوة والالتزام الشخصي
يجب أن يكون القادة قدوة في تطبيق مبادئ الشمولية؛ إذ لا يكفي الحديث عن التنوع؛ بل يجب على القادة إظهار الالتزام من خلال سلوكياتهم اليومية، مثل البحث عن وجهات نظر مختلفة، وتمكين الأصوات المهمشة، والتدخل عند ملاحظة أي سلوك غير شامل.
يُعد "مارك بينيوف" (Marc Benioff)، الرئيس التنفيذي لشركة "سيلزفورس" (Salesforce)، مثالاً بارزاً على هذا الالتزام الشخصي الواضح بقضايا المساواة في الأجور والتنوع، ليس فقط في خطاباته، بل من خلال قراراته الاستراتيجية والاستثمارات في برامج المساواة في الأجور، مما ألهم ثقافة شاملة في جميع أنحاء الشركة وعزز أداءً عالياً.
5. قياس وتتبع التقدم المحرز
لضمان الفعالية، يجب على القيادة الشاملة وضع مقاييس واضحة لتتبع التقدم في مبادرات التنوع والشمول؛ إذ يشمل ذلك تحليل بيانات التوظيف والترقية، ومسح مشاركة الموظفين، وتقييم فعالية برامج التدريب.
بتطبيق هذه الاستراتيجيات، يمكن للقيادة أن تتحول من مجرد داعم لمفهوم التنوع إلى محرك حقيقي للشمول، مما يضمن أن الجميع يزدهرون ويساهمون مساهمةً كاملةً في نجاح المؤسسة.
في الختام
في عالم الأعمال المتسارع، تتجاوز القيادة الشاملة كونها مجرد ميزة، لتصبح ضرورةً استراتيجيةً قصوى؛ إذ إنَّها مفتاح بناء فرق عمل متنوعة تُطلق العنان لإمكانات هائلة من الإبداع والابتكار، وتُحسن من جودة اتخاذ القرارات، وتدفع نحو أداء عالٍ ومستدام. بالتالي، يُعد تجاوز التحيزات اللاواعية وخلق بيئة عمل آمنة جوهر هذه القيادة، التي تضمن شعور كل فرد بالانتماء، والتقدير، والتمكين.
بصفتك قائداً أو مساهماً في أية مؤسسة، تذكر أنَّ المُستقبل ينتمي لمن يحتضنون التنوع ويقودون بالشمولية. ابدأ اليوم بتطبيق استراتيجيات القيادة الشاملة، وتبنّى أنت التغيير الإيجابي الذي يبني فرقاً أقوى ومستقبلاً أكثر إشراقاً للجميع.
هذا المقال من إعداد المدرب حسين حبيب السيد، كوتش معتمد من ولفا أكاديمي.